تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَالْهِبَاتِ وَالْأَحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. الْقِسْمُ الْخَامِسُ: وَهُوَ الْمَقْصُودُ شُرِعَ لِلسِّيَاسَةِ وَالزَّجْرِ وَهُوَ سِتَّةُ أَصْنَافٍ: الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: شُرِعَ لِصِيَانَةِ الْوُجُودِ، كَالْقِصَاصِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. مَعْنَاهُ أَنَّ الْقِصَاصَ الَّذِي كَتَبْته عَلَيْكُمْ إذَا أُقِيمَ ازْدَجَرَ النَّاسُ عَنْ الْقَتْلِ، قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي شَرْعِ الْقِصَاصِ وَإِبَانَةِ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْقِصَاصَ حَيَاةً وَنَكَالًا وَعِظَةً لِأَهْلِ الْجَهْلِ، فَكَمْ رَجُلٍ هَمَّ بِدَاهِيَةٍ لَوْلَا مَخَافَةُ الْقِصَاصِ لَوَقَعَ بِهَا، وَلَكِنَّ الْقِصَاصَ حَجَزَ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَخَصَّ أُولِي الْأَلْبَابِ، وَإِنْ كَانَ الْخَطَّابُ عَامًّا؛ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْعُقُولِ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ فِي الْعَوَاقِبِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يَعْنِي الدِّمَاءَ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الْآيَةَ لِيَزْدَجِرَ النَّاسُ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَمِنْ ذَلِكَ قِتَالُ الْخَوَارِجِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْكُفَّارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ الْآيَةَ، وَفِي قِتَالِ الْكُفَّارِ زِيَادَةُ مَعْنًى هُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ الْحَقِّ وَمَحْوُ الشِّرْكِ. الصِّنْفُ الثَّانِي: مِنْ الْأَحْكَامِ: شُرِعَ حِفْظُ الْأَنْسَابِ كَحَدِّ الزِّنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، وَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ حُكْمَ التَّغْرِيبِ وَحَدَّ الزَّانِي الثَّيِّبِ. الصِّنْفُ الثَّالِثُ: مِنْ الْأَحْكَامِ شُرِعَ لِصِيَانَةِ الْأَعْرَاضِ، لِأَنَّ صِيَانَتَهَا لَمِنْ أَكْبَرِ الْأَغْرَاضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، وَأَلْحَقَ الشَّرْعُ بِذَلِكَ التَّعْزِيرَ عَلَى السَّبِّ وَالْأَذَى بِالْقَوْلِ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ. الصِّنْفُ الرَّابِعُ: مِنْ الْأَحْكَامِ شُرِعَ لِصِيَانَةِ الْأَمْوَالِ، كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الْحِرَابَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ، وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وَيُلْتَحَقُ بِذَلِكَ تَعْزِيرُ الْغُصَّابِ وَنَحْوِهِمْ. الصِّنْفُ الْخَامِسُ: مِنْ الْأَحْكَامِ شُرِعَ لِحِفْظِ الْعَقْلِ، كَحَدِّ الْخَمْرِ وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وَوَرَدَتْ السُّنَّةُ بِحَدِّ الشَّارِبِ. الصِّنْفُ السَّادِسُ: مِنْ الْأَحْكَامِ شُرِعَ لِلرَّدْعِ وَالتَّعْزِيرِ، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾، أَيْ لِيَذُوقَ جَزَاءَ فِعْلِهِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، ثُمَّ شَرَعَ كَفَّارَةَ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ الْآيَةَ. وَقِصَّةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ: {أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ غِفَارٍ أَقْبَلَا يُرِيدَانِ الْإِسْلَامَ، حَتَّى إذَا كَانَا قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَةِ أَمْسَيَا فَبَاتَا، وَأَتَى أُنَاسٌ يَظْهَرُونَ إلَى الْمَدِينَةِ فَبَاتُوا قَرِيبًا مِنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ السَّحَرِ قَامُوا لِيَذْهَبُوا فَقَعَدُوا قَرِيبًا مِنْ الْإِبِلِ، فَاتَّهَمُوا الْغِفَارِيَّيْنِ فَأَخَذُوهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَبَسَ الْوَاحِدَ وَأَرْسَلَ الْآخَرَ، فَوَجَدَهُمَا قَرِيبًا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي بَاتُوا فِيهِ فَأَتَوْا بِهِمَا. فَقَالَ الْغِفَارِيَّانِ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كُنَّا لَبَرَاءً، فَقَالَ

فتاوى وآراء حول واقعنا المعاصر · الصفحة ٢٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فتاوى وآراء حول واقعنا المعاصرص ٢٩٩