روى الترمذي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : يا جابر مالي أراك منكسرا ؟ قال : قلت : يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالا ودَيْناً . قال : أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك ؟ قال : بلى يا رسول الله . قال : ما كلّم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب ، وكلم أباك كفاحا ، فقال : يا عبدي تَمَنّ عليّ أُعطِك . قال : يا رب تحييني فأُقتل فيك ثانية ! فقال الرب سبحانه : إنه سبق مِنِّي أنهم إليها لا يرجعون . قال : يا رب فأبلغ من ورائي . قال : فأنزل الله تعالى : ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) .
قال ابن الأثير : كفاحا أي مواجهة ليس بينهما حجاب ولا رسول . اهـ .
فالذي يظهر من قوله عليه الصلاة والسلام : ما كلّم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب ، وكلم أباك كفاحا . أنه يعني به بعد الموت ، أو ما كلّم الله أحداً من غير الرُّسُل .
ويدل عليه أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يستطع في حياته أن يصمد لرؤية الله ، لأن هذا البدن الذي خُلِق ليعيش في الدنيا غير البدن الذي يكون للدار الآخرة .
ولذلك فإن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة ، كما دلّت عليه الأدلة الصحيحة المستفيضة ، ولكنهم لا يرونه في الدنيا .
ولا تعارض بين قوله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) .
وقوله : ( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) فإن الآية الثانية ليس فيها التصريح بأنه كلّمه من وراء حجاب ، فإن منطوق آية الأعراف أن موسى سمع الصوت ولذا سأل الله الرؤية .