ففي مطلع هذه السورة يعلمنا الله جل شأنه كيف نحمده. ونثني عليه الثناء كله فقال سبحانه : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )
ثم علمنا كيف نمجده بقوله سبحانه (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ).
ثم علمنا أن نخصه بالعبادة لا نصرف منها شيئاً إلي غيره سبحانه فنعبده بما شرع ، كما شرع ، ونخلص له في ذلك كما أمرنا سبحانه بقوله (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)
وقال سبحانه معلماً لنا أن نقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) بمعنى أن لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.
ثم علمنا كيف ندعوه ونضرع إليه ، ونطلب منه ما فيه سعادتنا في الدنيا والآخرة ، وما يصلنا به ويقوى الصلة بين المؤمنين به ، وكيف نتبرأ ممن حاد عن طريقة فغضب عليه وأضله عن سواء السبيل ، فأمرنا أن نقول (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ). والمغضوب عليهم هم كل من علم ، وكان على بينه من أمر دينه ، وعلى بينة من الحق وبصيرة منه ، ومع ذلك حاد عنه ولم يسلك الطريق الحق ، فكل من كان على هذا النحو فهو ممن غضب الله عليهم.
…ومن أول هؤلاء اليهود الذين عرفوا الحق وحادوا عنه ، وقد سئل بعض اليهود عن الرسول عليه الصلاة والسلام فيما بينه وبين قومه فقالوا : إنا نعلم أنه رسول اكثر مما نعرف عن نسبنا لآبائنا ، فنسبه لأبيه قد يكون مدخولاً ، أمات البينة الصريحة الصحيحة فهي مثبتة لرسالة نبينا محمد ( () فهو على بينه من رسالة النبي ( () ، ومعرفته بذلك أقوى من معرفته بنسبه لأبيه ، ومع ذلك حاد عن الطريق المستقيم.