وقد مر بنا آنفًا ما قاله ابن عمر: (كان عمر يأخذ من النبط: من الزيت والحنطة نصف العُشر، لكي يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القطْنية العُشر) (المرجع السابق).
وصنيع الفاروق هذا يعطينا سندًا في رفع وخفض نسبة الضريبة، وفقًا للاعتبارات المصلحية التي يراها أولو الأمر في الأمة.
وقد بيَّنا من قبل أن من أهداف الإسلام في الاجتماع والاقتصاد: "ألا تنحصر ثروة الأمة في أيدي فئة قليلة من أبنائها، فضلاً عن الأجانب عنها، ولهذا يعمل الإسلام على توزيع الثروة على أكبر عدد مستطاع، وإزالة الفوارق الكبيرة، وتقريب المستويات بعضها من بعض، ولهذا علّل الله توزيع الفيء بقوله تعالى:(كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءٍ مِنكُمْ) (الحشر:7).
فإذا لم توجد وسيلة غير الضرائب التصاعدية، تؤدي إلى هذه النتيجة: ألا يكون المال دُولَة بين الأغنياء وحدهم، وأن ينزل الغني درجة، ويرتفع الفقير درجة، ويقترب كلا الفريقين من الآخر، فهذا أمر يباركه الإسلام ويؤيده.
هذا مع وجوب مراعاة الجانب الشخصي من إعفاء نفقات المعيشة والأعباء العائلية والديون، وغير ذلك مما ذكرناه من قبل.
الشرط الثالث- أن تُنفق في مصالح الأمة لا في المعاصي والشهوات:
ولا يكفي أن تؤخذ الضريبة بالحق، وتوزع أعباؤها على الناس بالعدل، ما لم يتم صرفها في المصالح العامة للأمة، لا في شهوات الحكام وأغراضهم الشخصية، وفي ترف أسرهم وخاصتهم، وفي رغبات أتباعهم والسائرين في ركابهم.
ومن هنا اهتم القرآن الكريم بالنص على مصارف الزكاة. منعًا للأهواء السياسية أن تلعب بها، وتُنفق أموالها في غير مستحقها.
ومن هنا أيضًا شدد الخلفاء الراشدون -ومعهم أجلاء الصحابة- في صرف الأموال العامة في مصارفها الشرعية، وهذا هو فرق ما بين الخلافة الراشدة، والملك العضوض، ما بين حكم يستند إلى رسالة سماوية، وحكم يقوم على الدنيا وحدها.