تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الثقة مقبولة إذا لم يخالف من هو أوثق منه، أو لم يكن في الكلام ما يدل على وهمه، وقد جاءت روايات كثيرة عن أبي سعيد وغيره تدل على أن القمح لم يكن من طعامهم يومئذ، وسنذكر بعضها قريبًا. على أن ابن إسحاق الذي جاءت الرواية من طريقه معروف عند النقاد بالتدليس إذا لم يصرح بالتحديث، وهو هنا قد عنعن، كما في المستدرك، وبهذا كله يتبين ما في تصحيح الحاكم للحديث وإقرار الذهبي له من التساهل.

والنتيجة أن ما جزم به الإمام ابن المنذر من عدم ثبوت خبر يعتمد عليه في القمح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- صحيح وليس فيه مطعن معتبر، وكذلك قال الحافظ البيهقي في سننه (4/170): قد وردت أخبار عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في صاع من بر، ووردت أخبار في نصف صاع، ولا يصح شيء من ذلك، قد بينت علة كل واحد منها في الخلافيات، وروينا في حديث أبي سعيد الخدري وفي الحديث الثابت عن ابن عمر تعديل مدين من بر -وهو نصف صاع- بصاع من شعير، وقع بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- (أ هـ)، ولم يكن البر بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه. فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من الشعير، وهم الأئمة، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم. ثم روى ابن المنذر عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر -بأسانيد صحيحة كما قال الحافظ ابن حجر-أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح، وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية.

لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة، خلافًا للطحاوي (انظر: فتح الباري: 3/374 - طبع السلفية، والمحلى: 6/128 - 131).

قال الحنفية: وأما حديث أبي سعيد، فليس فيه دليل على الوجوب، بل هو حكاية عن فعله، فيدل على الجواز، وبه نقول. فيكون الواجب نصف صاع وما زاد يكون تطوعًا (بدائع الصنائع: 2/72، ونصب الراية: 2/418)

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٨٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٨٦٩