غير أن هنالك عقبة كئودًا تقف في سبيل الإصلاح وحسم الخلاف، تلك هي عقبة المال؛ فقد تكون هناك ديات أو غرامات على أحد الطرفين، أو على كليهما للآخر، لا يستطيع دفعها، أو لا يرى دفعها، ولم يسامح فيها الطرف الآخر، ولم يكن من المصلحة فرض ذلك بالقوة، عملاً على رأب الصدوع، والتئام الجروح. فما الحل إذن؟ وكيف التغلب على هذه العقبة الكأداء؟
الحل يسير، تقدمه لنا الزكاة من "سهم الغارمين". فقد ذكرنا في "مصارف الزكاة" أن من الغارمين قومًا من أصحاب القلوب الكبيرة عرفها المجتمع العربي والإسلامي؛ كان الواحد من هؤلاء يتقدم لإصلاح ما بين أسرتين أو قبيلتين ويلتزم دفع ما يقتضيه الصلح من ديات وغرامات من ماله الخاص، ليخمد نار الفتنة، ويقر السكينة والسلام، وكان من فضل الإسلام أن يعان هؤلاء من الزكاة على ذلك الهدف النبيل.
وفي حديث قبيصة بن المخارق الهلالي الذي تَحَمَّل حَمَالة في إصلاح، ثم أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأله المعونة فيها -ولم يكونوا يجدون حرجًا من السؤال في ذلك- فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- : (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها). ثم ذكر له أن أي رجل تحمل حمالة فقد حلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك. (رواه أحمد ومسلم).
ومن الرائع حقًا في التسامح الإسلامي: أن نص الفقهاء على أن الغارم لإصلاح ذات البين يعطى من الزكاة ولو كان الإصلاح بين أهل ذمة من اليهود أو النصارى (انظر: مطالب أولي النهى: 2/143).
فإن سيادة السلام والوئام بين جميع الذين يعيشون في كنف المجتمع الإسلامي هدف أصيل من أهداف الإسلام.
سؤال فقهي