قال القرطبي: وإنما لا يقبل الله الصدقة بالحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدق وهو ممنوع من التصرف فيه، والمتصدق به متصرف فيه، فلو قبل منه لزم أن يكون الشيء مأمورًا منهيًا من وجه واحد، وهو محال (فتح الباري: 3/180).
بل قال بعض علماء الحنفية: لو دفع رجل إلى فقير شيئًا من المال الحرام، يرجو به الثواب، يكفر بذلك، ولو علم بذلك الفقير فدعا له يكفر أيضًا، ولو سمعه آخر فأمن على دعائه -مع علمه بالحال- يكفر كذلك، ومثله لو بنى مسجدًا من الحرام يرجو به القربة؛ لأنه يطلب الثواب فيما فيه العقاب، ولا يكون ذلك إلا باستحلال الحرام وهو كفر، وهذا كله في الحرام المقطوع بحرمته، لا المشتبه فيه (انظر: حاشية رد المحتار على الدر المختار: 2/27).
فلا يحسبن واهم أن الزكاة كفارة للغصب عن إثم غصبه، وللمرتشي عن جريمة رشوته، وللمرابي عن نجاسة رباه. هيهات هيهات لما زعموا؛ فإن المال الحرام لا تقبل منه زكاة، بل لا تجب فيه زكاة. إن الزكاة لا تجب إلا في مال يملكه صاحبه، والإسلام لا يقر الملكية الحرام وإن طال عليه الأمد. إنه لا يقول للغاصبين والمرتشين واللصوص الصغار أو الكبار: تصدقوا، ولكن يقول لهم قبل كل شيء: ردوا الأموال التي في أيديكم إلى أصحابها! (راجع ص 152 - 154 من هذا الكتاب).
الزكاة نماء للمال
والزكاة بعد ذلك نماء للمال وبركة فيه، وربما استغرب ذلك بعض الناس فالزكاة في الظاهر نقص من المال بإخراج بعضه فكيف تكون نماء وزيادة؟!
ولكن العارفين يعلمون أن هذا النقص الظاهري وراءه زيادة حقيقية: زيادة في مال المجموع وزيادة في مال الغنى نفسه، فإن هذا الجزء القليل الذي يدفعه يعود عليه أضعافه من حيث يدرى أو لا يدرى.
وقريب من هذا ما نراه في بعض الدول الغنية المتخمة تتبرع بأموال من عندها لبعض الدول الفقيرة -لا لله- ولكن لتخلق قوة شرائية لمنتجاتها.