تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والواقع أن رأي الحنفية أليق بعصرنا وأهون على الناس، وأيسر في الحساب وخاصة إذا كانت هناك إدارة أو مؤسسة تتولى جمع الزكاة وتفريقها، فإن أخذ العين يؤدي إلى زيادة نفقات الجباية بسبب ما يحتاجه نقل الأشياء العينية من مواطنها إلى إدارة التحصيل، وحراستها، والمحافظة عليها من التلف، وتهيئة طعامها وشرابها وحظائرها إذا كانت من الأنعام من مؤنة وكلف كثيرة. مما ينافي مبدأ "الاقتصاد" في الجباية.

وقد روى هذا الرأي عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وإليه ذهب سفيان الثوري، وروي عن أحمد مثل قولهم في غير زكاة الفطر (المغني: 3/65). قال النووي: وهو الظاهر من مذهب البخاري في صحيحه (المجموع: 5/429).

وقال ابن رشد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية، مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل (فتح الباري: 3/200).

وذلك أن البخاري عقد بابًا لأخذ العروض في الزكاة (وهو أخذ بالقيمة) مستدلاً بأثر معاذ الذي رواه عنه طاوس، حيث طلب أن يأخذ منهم الثياب في الصدقة مكان الذرة والشعير، فإن ذلك أهون عليهم وخير لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة (ذكر البخاري أثر طاوس معلقًا بصيغة الجزم، وهذا دليل على صحته عنده، وقد كان طاوس -وهو إمام اليمن وفقيهها في عصر التابعين- عالمًا بأخبار معاذ باليمن وإيراد البخاري لأثره في معرض الاحتجاج به يقتضي قوته عنده (الفتح: 3/200).

كما استدل بأحاديث أخرى منها ما جاء في كتاب أبي بكر في صدقة الماشية إذ جاء فيه: (ومن بلغت صدقته بنت مخاض (وليست عنده) وعنده بنت لبون فإنها تُقبل منه، ويعطيه المصدِّق عشرين درهمًا أو شاتين) وأخذ سن بدل سن، ومع إعطاء قيمة الفرق دراهم أو شياهًا يدل على أن أخذ العين ليس مطلوبًا بالذات، ولكن للتيسير على أرباب الأموال.

أما ابن حزم فرد الاستدلال بحديث طاوس زاعمًا أنه لا تقوم به حجّة لوجوه ذكرها.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٧٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٧٥١