واستدل من أوجب إعطاءها للإمام بقول أبي بكر -رضي الله عنه- : (والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم عليه). فأباح قتالهم بل اعتقده فريضة واجبة على منعهم الزكاة منه، فشمل ما لو منعوها لكونهم قد أعطوها في أهلها، أو لكونهم أرادوا أن يعطوها لأهلها بأنفسهم، أو لكونهم لا يعطونها مطلقًا، إنكارًا لها، وهو الواقع في نفس الأمر إذ قالوا: لا نجعل في أموالنا شركاء، وارتدوا، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص سببه، ولفظه هنا علق فيه القتال على المنع عمومًا (شرح النيل: 2/137-138).
رأي الشعبي والباقر وأبي رزين والأوزاعي:
وممن قال بدفعها إلى الإمام: الشعبي، ومحمد بن علي - الباقر - وأبو رزين، والأوزاعي؛ لأن الإمام أعلم بمصارفها، ودفعها إليه يبرئه ظاهرًا وباطنًا، ودفعه إلى الفقير لا يبرئه باطنًا؛ لاحتمال أن يكون غير مستحق لها، ولأنه يخرج من الخلاف، وتزول عنه التهمة. وكان ابن عمر يدفع زكاته لمن جاءه من سعاة ابن الزبير، أو نجدة الحروري، وقد روى عن سهيل عن أبي صالح قال: أتيتُ سعد بن أبي وقاص فقلت: عندي مال، وأريد أن أخرج زكاته، وهؤلاء القوم على ما ترى، فما تأمرني؟ فقال: ادفعها إليهم. فأتيت ابن عمر، فقال مثل ذلك، فأتيت أبا هريرة، فقال مثل ذلك، فأتيت أبا سعيد فقال مثل ذلك. ويروى نحوه عن عائشة -رضي الله عنها- (انظر: المغني: 2/642-643- طبع المنار (الثالثة).
موازنة وترجيح:
قبل أن أرجح وأختار ما أراه بعد هذه النقول من الأقوال والمذاهب، أود أن أشير إلى أن فقهاء المذاهب جميعًا - رغم اختلافهم على تفصيلات كثيرة - كالمتفقين على أمرين أساسيين:
الأول: أن من حق الإمام أن يطالب الرعية بالزكاة. في أي نوع من أنواع المال، ظاهر أو باطن، وخاصة إذا علم من حال أهل بلد أنهم يتهاونون في إيتاء الزكاة، كما أمر الله، وهذا ما أكده علماء الحنفية.