الذي أراه في هذه المسائل هو صحة الدفع إلى الظلمة إذا أخذوا ما أخذوه بعنوان الزكاة، ولا يُكلَّف المسلم الإعادة في أي صورة من الصور، فإذا لم يأخذوه باسم الزكاة لم يجزئه، كما قال المالكية وغيرهم، وسنعود إلى ذلك في باب " الزكاة والضريبة".
أما هل يدفع إلى الظالم أو لا؟، فإني أختار الدفع إليه إذا كان يوصلها إلى مستحقيها، ويصرفها في مصارفها الشرعية، وإن جار في بعض الأمور الأخرى.
فإن كان لا يضعها في مواضعها فلا يدفعها إليه إلا إن طالب بها، فلا يسعه الامتناع، عملاً بالأحاديث التي سقناها من قبل، وبفتاوى الصحابة المتكررة في دفع الزكاة إلى الأمراء وإن ظلموا.
التزام الحاكم للإسلام شرط
والذي لا ريب فيه أن هؤلاء الأمراء الذين أفتى الصحابة بدفع الزكاة إليهم إنما هم قوم مسلمون آمنوا بالإسلام والتزموه، وارتضوه حكمًا بل جاهدوا في سبيله، وفتحوا الفتوح باسمه وتحت رايته. وإن حادوا في بعض أحكامهم عنه، إيثارًا للدنيا أو اتباعًا للهوى.
فهؤلاء تُدفع إليهم الزكاة وسائر الحقوق المالية، كما صرحت بذلك الأحاديث الصحيحة التي استدل بها الجمهور.
وهؤلاء غير كثير من حكام عصرنا الذين قطعوا صلتهم بالإسلام، واتخذوه وراءهم ظهريًا، واتخذوا هذا القرآن مهجورًا، بل إن منهم مَن أصبح حربًا على الإسلام وأهله ودعاته، فهؤلاء لا يجوز أن يُعَانوا بمال الزكاة على نشر كفرهم وإلحادهم وإفسادهم في الأرض، فالتزام الحاكم للإسلام شرط في جواز دفع الزكاة إليه.
ولقد اتفق جمهور الفقهاء على أن ابن السبيل المسافر في معصية لا يُعطي من مال الزكاة حتى يتوب، وكذلك الغارم في معصية، إذ لا يجوز أن يعانا من مال الله على معصية الله.
فكيف بحاكم يأخذ مال الله ليصد عن سبيل الله، ويعطل شريعة الله، ويؤذي كل مَن دعا إلى حكم اللَّه؟