تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال: ادفعها إليهم؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرنا أن ندفعها إليهم" (رواه البيهقي في السنن الكبير) (المرجع السابق).

هذه الأحاديث الصريحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذه الفتاوى الحاسمة من صحابته الكرام، تجعلنا ندرك، بل نوقن: أن الأصل في شريعة الإسلام أن تتولى الحكومة المسلمة أمر الزكاة فتجبيها من أربابها، وتصرفها على مستحقيها، وأن على الأمة أن تعاون أولياء الأمر في ذلك، إقرارًا للنظام، وإرساءً لدعائم الإسلام، وتقوية لبيت مال المسلمين.

من أسرار هذا التشريع

"وربما قال قائل: إن الشأن في الأديان أن توقظ الضمائر، وتحيى القلوب، وتضع أمام أبصار الناس مثلاً أعلى، ثم تحاول أن تقودهم بزمام الشوق إلى مثوبة الله، أو تسوقهم بسوط الخشية من عقابه، تاركة لأصحاب السلطان أن يحددوا وينظموا ويطالبوا ويعاقبوا، فهذا من شأن السلطة السياسية، وليس من مهمة التوجيه الديني!

والجواب: أن هذا قد يصح في أديان أخرى، ولكن لا يصح أبدًا في الإسلام، فإنه عقيدة ونظام، وخلق وقانون، وقرآن وسلطان.

ليس الإنسان مشطورًا في الإسلام: شطر منه للدين وشطر آخر للدنيا، وليست الحياة مقسومة: بعضها لقيصر وبعضها لله. وإنما الحياة كلها والإنسان كله، والكون كله لله الواحد القهار.

جاء الإسلام رسالة شاملة هادية، فجعلت من هدفها تحرير الفرد وتكريمه، وترقية المجتمع وإسعاده، وتوجيه الشعوب والحكومات إلى الحق والخير، ودعوة البشرية كلها إلى الله: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله.

وفي هذا الإطار جاء نظام الزكاة فلم تُجعل من شئون الفرد، بل من وظيفة الحكومة الإسلامية، فوكل الإسلام جبايتها وتوزيعها على مستحقيها إلى الدولة لا إلى ضمائر الأفراد وحدها، وذلك لجملة أسباب لا يحسن بشريعة الإسلام أن تهملها:

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٦٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٦٦٦