ومثل ذلك ما كان معروفًا في المجتمع العربي في الجاهلية، من بيع من أعسر في الدين، لحساب الدائن. وروى بعضهم أن ذلك قد استمر فترة في أول الإسلام، ثم نسخ، ولم يعد للدائن سبيل إلى رقبة المدين (انظر تفسير القرطبي: 3/271). قال تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم، إن كنتم تعملون) (البقرة: 280).
النوع الثاني - الغارم لمصلحة الغير
والنوع الثاني من الغارمين فئة من أصحاب المروءة والمكرمات، والهمم العالية، عرفها المجتمع العربي والإسلامي، وهم الذين يغرمون لإصلاح ذات البين، وذلك بأن يقع بين جماعة عظيمة -كقبيلتين أو أهل قريتين- تشاجر في دماء وأموال، ويحدث بسببها الشحناء والعداوة، فيتوسط الرجل بالصلح بينهما، ويلتزم في ذمته مالاً عوضًا عما بينهم، ليطفئ الثائرة، فهذا قد أتى معروفًا عظيمًا، فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة. لئلا يجحف ذلك بسادات القوم المصلحين، أو يوهن عزائمهم، فجاء الشرع بإباحة المسألة فيها، وجعل لهم نصيبًا من الصدقة (الروض المربع: 1/4302). ومن الجميل أن يصرح علماؤنا: أن الغارم لإصلاح ذات البين يعطى من الزكاة لسداد غريمه ولو كان هذا الإصلاح بين جماعتين من أهل الذمة (انظر: مطالب أولى النهى: 2/143).
ومثل هؤلاء المصلحين بين الناس كل من يقوم من أهل الخير في عمل مشروع اجتماعي نافع كمؤسسة للأيتام، أو مستشفى لعلاج الفقراء، أو مسجد لإقامة الصلاة، أو مدرسة لتعليم المسلمين، أو ما شابه ذلك من أعمال البر والخدمة الاجتماعية، فإنه قد خدم في سبيل خير عام للجماعة، فمن حقه أن يساعد من المال العام لها. وليس في الشرع دليل يقصر الغارمين على من غرموا لإصلاح ذات البين دون غيرهم، فلو لم يدخل أولئك في لفظ "الغارمين". لوجب أن يأخذوا حكمهم بالقياس (انظر: تفسير القرطبي: 3/271).