جاء رجل يشكو إليه سوء الحال، فأعطاه ثلاثًا من الإبل، وما ذلك إلا ليقيه من العيلة. والإبل كانت أنفع أموالهم وأنفسها حينذاك، وقال للموظفين الذين يعملون في توزيع الصدقات على المستحقين: (كرروا عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل) (الأموال ص 565، 566).
وقال معلنًا عن سياسته تجاه الفقراء: "لأكررنَّ عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل" (المصدر السابق).
وقال عطاء الفقيه التابعي الجليل: "إذا أعطى الرجل زكاة ماله أهل بيت من المسلمين فجبرهم، فهو أحب إلى" (نفس المصدر).
وتستطيع الدولة المسلمة -بناء على هذا الرأي- أن تنشئ من أموال الزكاة مصانع وعقارات ومؤسسات تجارية ونحوها وتملكها للفقراء، كلها أو بعضها. لتدر عليهم دخلاً يقوم بكفايتهم كاملة. ولا تجعل لهم الحق في بيعها ونقل ملكيتها، لتظل شبه موقوفة عليهم.
المذهب الثاني - يعطى كفاية سنة:
هناك مذهب ثان قال به المالكية وجمهور الحنابلة وآخرون من الفقهاء: أن يعطى الفقير والمسكين من الزكاة ما تتم به كفايته وكفاية من يعوله سنة كاملة. ولم ير أصحاب هذا الرأي ضرورة لإعطائه كفاية العمر. كما لم يروا أن يعطى أقل من كفاية السنة.
وإنما حددت الكفاية بسنة، لأنها -في العادة- أوسط ما يطلبه الفرد من ضمان العيش له ولأهله، وفى هدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ذلك أسوة حسنة، فقد صح أنه ادخر لأهله قوت سنة (متفق عليه).
ولأن أموال الزكاة في غالبها حولية، فلا داعي لإعطاء كفاية العمر، وفى كل عام تأتى حصيلة جديدة من موارد الزكاة، ينفق منها على المستحقين (استظهر بعض المالكية أن الزكاة إذا كانت لا تفرق كل عام إعطاء أكثر من كفاية السنة كما في حاشية الدسوقي: 1/464).
ويرى القائلون بهذا المذهب أن كفاية السنة ليس لها حد معلوم لا تتعداه من الدراهم أو الدنانير، بل يصرف للمستحق كفاية سنته بالغة ما بلغت.