وأحسب أنه -بعد هذا البيان- قد اتضحت لنا طبيعة الأرض الخراجية ونظرة المسلمين إليها منذ عهد عمر، وأنها ملك للأمة كلها، وأن ملكية أربابها لها ملكية يد لا ملكية رقبة، وأن الخراج المضروب عليها بمنزلة أجرة لها، تدفع إلى الدولة الإسلامية لتنفقها في المصالح العامة للأمة، من ذلك العمل على تعمير أرض الخراج نفسها، وتيسير ريها وإصلاح جسورها، وتحقيق كل ما يزيد في إنتاجها.
فإذا أسلم أرباب هذه الأرض بعد ذلك، أو انتقلت ملكيتها إلى مسلم بالبيع والشراء -كما حدث فعلاً- فإن الخراج يبقى مضروبًا عليها، بإجماع الفقهاء في سائر العصور؛ لأن أحدًا لا يملك إسقاطه حسب النظرة الفقهية له، إذ هو ملك الأجيال الإسلامية، في شتى الأزمنة كما وضحنا ذلك قبل -ولا يملك جيل منهم- ممثلاً في إمام أو حكومة- إسقاط حق الأجيال اللاحقة في هذا الخراج المفروض في أصله على التأبيد.
إلى الأعلى
هل يجتمع العُشر والخراج؟
وهذا الأمر قد أحدث مشكلة فقهية؛ فمن المعلوم أن الأرض إذا زرعها مسلم يجب عليه أن يخرج من زرعها أو ثمرها العُشر أو نصفه زكاة مفروضة، فهل يجب عليه هذا العُشر مع الخراج أم يعفى من أحدهما؟
أما الخراج فهو مؤبد -كما قلنا- ولا سبيل إلى إسقاطه، فهل يمكن إسقاط العُشر عنه أم يجب الاثنان معًا؟
إلى الأعلى
مذهب الحنفية وأدلتهم
ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن العُشر هنا غير واجب، وأن من شروط وجوبه ألا تكون الأرض خراجية وكذلك روى أبو عبيد عن الليث بن سعد، وابن أبى شيبة عن الشعبي وعكرمة: لا يجتمع خراج وعُشر في أرض (انظر الأموال ص91، والمصنف: 3/201 - طبع حيدر آباد)، واستند الحنفية في ذلك إلى أدلة.
أولاً: ما روى عن ابن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يجتمع عُشر وخراج في أرض مسلم" (قال في فتح القدير (2/14): رواه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود مرفوعًا) وهو نص في المطلوب.