وقد رجح أبو عبيد مذهب ابن عمر ومَن وافقه في رفع كل الديون من الخارج، وتزكية الباقي، بشرط أن تثبت صحة الدَّيْن، قال:" إذا كان الدَّيْن صحيحًا قد علم أنه على رب الأرض فإنه لا صدقة عليه فيها، ولكنها تسقط عنه لدَيْنه كما قال ابن عمر وطاووس وعطاء ومكحول، ومع قولهم أيضًا إنه موافق لاتباع السُنَّة، ألا ترى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما سنَّ أن تؤخذ الصدقة من الأغنياء، فتُردّ في الفقراء، وهذا الذي عليه دَيْن يحيط بماله ولا مال له، هو من أهل الصدقة، فكيف تؤخذ منه الصدقة وهو من أهلها؟، أم كيف يجوز أن يكون غنيًا فقيرًا، في حال واحدة؟ ومع هذا إنه من الغارمين -أحد الأصناف الثمانية- فقد استوجبها من جهتين " ا هـ .(الأموال ص510).
أما الخراج -وهو تلك الضريبة العقارية المفروضة على رقبة الأرض- فهل يطرح مقداره من الخارج ويزكى الباقي أم لا؟
روى يحيى بن آدم عن سفيان بن سعيد الثوري أنه قال فيما أخرجت الخراجية: "ارفع دَيْنك وخراجك، فإن بلغ خمسة أوسق بعد ذلك، فزكها" .(الخراج ص163).
وروى أبو عبيد عن إبراهيم بن أبى عبلة قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن عوف -أو ابن أبى عوف- عامله على فلسطين، فيمن كانت في يده أرض بجزيتها من المسلمين: أن يقبض جزيتها، ثم يأخذ منها زكاة ما بقى بعد الجزية .(الأموال ص88) والمراد بجزية الأرض هنا "الخراج".
فعمر وسفيان يعفيان ما يقابل الخراج من الزكاة، ويزكيان الباقي فقط إن بلغ نصابًا، وكان عمر من أئمة الهدى.
وإلى نحو هذا ذهب أحمد، واستدل له في "المغنى" بأن الخراج من مؤونة الأرض، فيمنع وجوب الزكاة في قدره، كما ذهب إليه ابن عباس وابن عمر من قضاء ما أنفق على الزرع وتزكية الباقي .(المغنى: 2/727).