تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأولى هذه المذاهب بالترجيح هو مذهب أبي حنيفة الذي هو قول عمر بن عبد العزيز ومجاهد وحماد وداود والنخعي: أن في كل ما أخرجت الأرض الزكاة (لا أكاد أجد فرقًا في الواقع بين قول أبي حنيفة وقول من ذكرنا؛ لأن استثناء أبي حنيفة للحطب والقصب والحشيش لا يخرجه عن القول بعموم الزكاة في كل ما أخرجت الأرض، لأن المقصود بما يخرج منها ما يزرع ويستنبت فيها، وإن كان ثمة فرق فليس له أثر يذكر) فهو الذي يعضده عموم النصوص من القرآن والسنة، وهو الموافق لحكمة تشريع الزكاة، فليس من الحكمة - فيما يبدو لنا - أن يفرض الشارع الزكاة على زارع الشعير والقمح، ويعفى صاحب البساتين من البرتقال أو "المانجو" أو التفاح، أما أحاديث حصر الصدقة في الأقوات الأربعة، فلم يسلم فيها حديث من طعن (انظر: المراعاة على المشكاة:3/39) إما بالانقطاع أو ضعف بعض الرواة -أو وقف ما ادعى رفعه- وعلى فرض التسليم بصحتها فقد تأولها ابن الملك وغيره من العلماء بأنه لم يكن ثمة غير الأربعة (انظر: المرقاة:4/153) أو يُحمل الحصر على أنه إضافي لا حقيقي، ولهذا لم يأخذ به أحد من أصحاب المذاهب المتبوعة.

والعجيب أن العلاَّمة السيد رشيد رضا أيد هذا المذهب المضيق! وأضاف إلى الأربعة: "الذرة"، كما في بعض الروايات، وقال: إن صح أن يقاس عليها شيء فالأرز، ولا سيما عند من هو قوتهم الغالب، قاله تعليقًا على كتاب المغني (انظر: المغني المطبوع مع الشرح الكبير:2/551) هذا مع أن الاعتبار الذي استند إليه في إيجاب الزكاة في الثروة التجارية، ونقلناه عنه هناك، وارد هنا أيضًا في الثروة الزراعية، وربما كانت نعمة الله في إخراج الزرع والثمر من الأرض: أظهر منها في أي مال آخر، ولهذا جاء الأمر بإيتاء حق الزرع يوم الحصاد منذ العهد المكي، وإن لم يبين مقدار هذا الحق ونصابه إلا في المدينة.

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ٣١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ٣١٤