أقول: هذا الاعتبار الأخير هو الذي يجب أن يعول عليه، في حكم النقود الورقية الإلزامية التي هي عمدة التبادل والتعامل الآن، والتي لم يعد يشترط أن يقابلها رصيد معدني بالبنك، ولا يلتزم البنك صرفها بذهب أو فضة.
وربما كان الخلاف في أمر هذه الأوراق مقبولاً في بدء استعمالها، وعدم اطمئنان الجمهور إليها، شأن كل جديد (مثال ذلك الخلاف الذي حدث عند ظهور قهوة البن: أيحل شربها أم يحرم ؟ وألفت في ذلك رسائل ثم استقر الأمر على الحل، انظر: الفواكه العديدة للمنقور: 1/410 - 413، وقد نقل فيها أقوال ابن حجر الهيثمي الشافعي، والشيخين: زروق والحطاب المالكيين، وغيرهم)، أما الآن فالوضع قد تغير تمامًا.
لقد أصبحت هذه الأوراق النقدية تحقق داخل كل دولة ما تحققه النقود المعدنية، وينظر المجتمع إليها نظرته إلى تلك.
إنها تدفع مهرًا، فتستباح بها الفروج شرعًا دون أي اعتراض.
وتدفع ثمنًا، فتنقل ملكية السلعة إلى دافعها بلا جدال.
وتدفع أجرًا للجهد البشرى، فلا يمتنع عامل أو موظف من أخذها جزاء على عمله.
وتدفع دية في القتال الخطأ أو شبه العمد، فتبرئ ذمة القاتل، ويرضى أولياء المقتول، وتسرق فيستحق سارقها عقوبة السرقة بلا مراء من أحد.
وتدخر وتملك، فيعد مالكها غنيًا بقدر ما يملك منها، فكلما كثرت في يده، عظم غناه عند الناس وعند نفسه (لا معنى إذن لما يقوله بعض "المتحذلقين" في عصرنا من أن النقود الشرعية هي الذهب والفضة، فهي التي تجب فيها الزكاة، وهي التي يجرى فيها الربا !!).