هذا مع أن النسبة المعهودة في زكاة رأس المال - كالنقود وعروض التجارة - هي 2 5 بالمائة أي ربع العشر فما حكمة هذا التخفيف؟
لقد استنتج بعض الباحثين المعاصرين (هو الأستاذ شوقي إسماعيل في مقال له عن "نظام المحاسبة في الزكاة" في مجلة "الاقتصاد والسياسة في ضوء الإسلام" التي أصدرتها كلية التجارة بجامعة القاهرة منذ بضعة عشر عامًا) منه: أن الشريعة قصدت بذلك إلى تشجيع إنتاج الثروة الحيوانية فخففت الواجب على أرباب المال، وجعلت الضريبة فيه "ذات تصاعد معكوس"، لتحقيق هذا الهدف الاقتصادي الهام.
ولكن يعكر على هذا التفسير: أنه ليس مطردًا في زكاة الثروة الحيوانية كلها فقد رأينا: أن الواجب في الإبل إذا كثرت إنما هو في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وسنرى: أن الواجب في البقر إنما هو في كل ثلاثين تبيع أوتبيعة، وفي كل أربعين مسنة أو مسن أي بمتوسط ربع العشر 2 5 بالمائة تقريبًا، وهي النسبة العامة في زكاة رأس المال.
فلو كان هذا التعليل أو التفسير صحيحًا لظهر ذلك في الإبل والبقر أيضًا ولما لم يطرد ذلك وجب البحث عن تفسير آخر تختص به زكاة الغنم.
والتفسير الذي أراه -والله أعلم- أن الغنم إذا كثرت سواء أكانت ضأنًا أم معزًا: وجد فيها الصغار بكثرة، لأنها تلد في العام أكثر من مرة، وتلد في المرة أكثر من واحد، وبخاصة المعز منها وهذه الصغار تُحسب على أرباب المال، ولا تقبل منهم، كما سيأتي ذلك في المبحثين : الخامس والسادس.
ولهذا استحقت الغنم -بصفة خاصة- هذا التخفيف والتيسير، تحقيقًا لمبدأ العدل، الذي حرصت عليه الشريعة وإلا، فلو وجب في كل أربعين واحدة -كما في الإبل والبقر- مع كثرة عدد الصغار فيها، وعدم صحة أخذها منهم، لكان في ذلك بعض الإجحاف على ملاك الغنم، بالنسبة لأصحاب الإبل والبقر.
أما الأربعون الأولى فإنما وجبت فيها شاة، لأن الشرط أن تكون كلها كبارًا، كما سأرجح ذلك في المبحث الخامس.