وجاء ذلك أيضًا عن إبراهيم ومجاهد والزهري وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من التابعين (انظر الأموال ص 380 - 382، ومصنف عبد الرزاق: 4/19 - 21 باب "ما لا يؤخذ من الصدقة" والروض النضير: 2/408) وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي والزيدية، وهو قول الليث أيضًا في البقر.
ويؤيد هذه الروايات والأقوال من جهة النظر أمران نبه عليهما العلماء:
الأول: أن ما كان من المال مُعدًا لنفع صاحبه كثيابه، وعبيد خدمته، وداره التي يسكنها، ودابته التي يركبها، وكتبه التي ينتفع بها، فليس فيها زكاة، فيطرد هنا أنه لا زكاة في بقر حرثه، وإبله التي يعمل عليها بالدولاب وغيره، فهذا محض القياس، كما أنه موجب النصوص.
والفرق بينها وبين السائمة ظاهر: فإن هذه مصروفة عن جهة النماء إلى العمل، فهي كالثياب والدار ونحوها (انظر الروض النضير: 2/408).
الثاني: ما رواه أبو عبيد عن الزهري قال: "ليس في السواني من الإبل والبقر، ولا في بقر الحرث صدقة، من أجل أنها سواني الزرع وعوامل الحرث" (الأموال ص 381).
وعن سعيد بن عبد العزيز التنوخي قال: "ليس في البقر التي تحرث الأرض صدقة، لأن في القمح صدقة، وإنما القمح بالبقر" (الأموال ص 382).
ومعنى ذلك أنها باستخدامها لحرث الأرض وسقي الزرع، أصبحت أشبه ما تكون بالأدوات التي تستعمل لخدمة الأرض والزرع وما تُنبته الأرض من زرع وثمر تجب فيه الزكاة، فلو وجبت الزكاة فيها هي الأخرى -وليست إلا آلة لتنمية الزرع- فقد صارت الصدقة مضاعفة على الناس، كما قال أبو عبيد بحق.
وخالف مالك الجمهور في هذا الحكم فرأى وجوب الزكاة في البقر والإبل عاملة أو غير عاملة، كما أوجبها فيها سائمة ومعلوفة، وقد حكي عن الثوري أنه ذُكِر له قول مالك. فقال: ما ظننتُ أن أحدًا يقول هذا (المرجع نفسه ص 381).