وما لم يُحزْ منها، ولم يُنتفع به، فإن كان في الإمكان أن يتحقق فيه ذلك، عُدَّ من الأموال أيضًا، كجميع المباحات من الأشياء، مثل السمك في البحر، والطير في الجو، والحيوان في الفلاة. فإن الاستيلاء عليه ممكن، والانتفاع به على وجه معتاد ممكن كذلك.
أما ما ليس في الإمكان حيازته فلا يُعَد مالاً. وإن انتُفع به، كضوء الشمس وحرارتها، وكذلك ما لا يمكن الانتفاع به على وجه معتاد لا يُعَد مالاً، وإن أُحْرِز فعلاً، كحفنة من تراب، وقَطْرة من ماء، ونحلة، وحبة من أرز مثلاً.
ومقتضى هذا التعريف:
أن المال لا يكون إلا مادة، حتى يتأتى إحرازه وحيازته، ويترتب عل ذلك أن منافع الأعيان -كسكنى المنازل، وركوب السيارات، ولبس الثياب - لا تُعَد مالاً، لعدم إمكان حيازتها. ومثلها في ذلك الحقوق -كحق الحضانة، وحق الولاية- وهذا مذهب الحنفية.
وذهب الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن المنافع أموال، إذ ليس من الواجب في المال عندهم إمكان إحرازه بنفسه، بل يكفي أن تمكن حيازته بحيازة أصله ومصدره، ولا شك أن المنافع تُحاز بحيازة محالها ومصادرها، فإن من يحوز سيارة يمنع غيره أن ينتفع بها إلا بإذنه. وهكذا.
وقد أخذ علماء التشريع الوضعي بهذا الرأي، فاعتبروا المنافع من الأموال، كما اعتبروا حقوق المؤلفين، وشهادات الاختراع وأمثالها مالاً، ولذلك كان المال عندهم أعم من المال عند الفقهاء (من كتاب "أحكام المعاملات الشرعية" للأستاذ الشيخ على الخفيف ص 3 -4).
والذي نرجحه هنا: أن تعريف الحنفية للمال أقرب إلى المعنى اللغوي الذي ذكرته المعاجم العربية، وهو الذي يمكن تطبيق نصوص الزكاة عليه، فإن الأعيان -لا المنافع- هي التي يمكن أن تؤخذ وتجبى وتوضع في بيت المال، وتوزَّع على المستحقين.