تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"وبالعكس من ذلك، الجبايات والضرائب والمكوس، التي تفرضها الحكومات اليوم، فهي صورة مقلوبة معكوسة للزكاة، فهذه الضرائب -العادلة منها والمجحفة، والصغيرة منها والضخمة- تؤخذ من الفقراء وأوساط الناس، وتُرَد على الرؤساء والأغنياء والأقوياء. إنها تجتمع بعَرَق جبين الفلاحين، والعملة والصنَّاعين، والتجار الذين يشتغلون ليل نهار في متاجرهم ودكاكينهم وتُصرف هذه الأموال بسخاء - بل بقسوة نادرة، ووقاحة زائدة - في استقبال رؤساء الجمهوريات الزائرين للبلاد، وفى ولائمهم التي تشبه ولائم "ألف ليلة وليلة" الخيالية الأسطورية، وفى المهرجانات التي يحتفل بها بين حين وحين وفى مآدب السفارات في البلاد الأجنبية التي تجري فيه الخمر جري الأنهار، وفي دعايات الحكومة التي تستنفد موارد الشعب وتمتص دماءه، وتحول بين رجل الشعب وقوته، وفي جعالات الصحفيين الأجانب، ووكالات الأنباء ورواتب المذيعين البارعين الذين حذقوا فن تلفيق الأخبار، واتهام الأبرياء، وتشريح الأحياء من المنافسين والأعداء، وتكاليف الصحف التي تعتبر أهم وأنفع من أقوى الجيوش، وأحدث الأسلحة، فما من حكومة شعبية ديمقراطية، ولا من حكومة شيوعية أو اشتراكية، إلا وهي تمتص دم الشعب كالإسفنج، وتصبه في بحر الدعاية والرشاء السياسي، والتلبيس الصحفي، ومحاكمة المعارضين من المجرمين وغير المجرمين، فلا أدق تصويرًا ولا أصدق تعبيرًا في وصف هذه الضرائب، التي تقوم عليها الحكومات اليوم، من قولنا: إنها "تؤخذ من فقرائهم وتُرَد على أغنيائهم" لذا كانت الزكاة الإسلامية التي فرضها الله على عباده الموسرين لطفًا ورحمة بالأمة، ونتيجة لنعمة النبوة التي لا نعمة فوقها، "ضريبة" -إذا كان لا بد من إطلاق هذه الكلمة- أقل الضرائب مقدارًا وأخفها مؤنة، وأعظمها يمنًا وبركة، وأكثرها فائدة، لأنها: (تؤخذ من أغنيائهم وتُرَد على فقرائهم) أهـ (الأركان الأربعة ص120-122).

فقه الزكاة يوسف القرضاوي · الصفحة ١٠٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه الزكاة يوسف القرضاويص ١٠٠٠