انفصاله بعد مماته، ولأن اللبن كالأنفحة، فكلاهما مأخوذان من الحيوان بعد موته بلا ذكاة شرعية، وحيث كانت الأنفحة طاهرة بدليل أن الصحابة لما فتحوا بلاد فارس أكلوا جبن المجوس وهو يؤخذ من ذبائحهم المحرمة النجسة علينا وكان هذا طاهرا شائعا بينهم، وما نقل عنهم من الكراهة لذلك ففيه نظر فحيث كان هذا هو حكم الأنفحة مع أنها مأخوذة من وعاء نجس فكذلك هو حكم اللبن، ولأن ملاقاة اللبن للوعاء النجس إنما هي ملاقاة في الباطن، والمتقرر أنه لا حكم للنجاسة في الباطن، ألا ترى إلى قوله تعالى ? مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ ? وهذا دليل على أن اللبن قد لاقى الدم المسفوح في الباطن، ولكن هذه الملاقاة لم تؤثر في حله بعد خروجه وانفصاله عنه، فقول الفقهاء (إن لبن الميتة نجس لأنه لاقى وعاء نجسا) فيه نظر لأن الملاقاة في الباطن لا تؤثر، والله أعلم.
(تنبيه) أقول:- هذا القول فيما إن لم يظهر في اللبن أثر تعفن، والله أعلم.
مسألة:- والضابط عندنا في الآسار، وهي فضلة الشراب مع ما بقي فيه من اللعاب والريق، الضابط فيه عندنا يقول (سؤر الشيء له حكم ذاته طهارة ونجاسة) فإن أردت أن تعرف حكم سؤر الحيوان، فانظر إلى حكم الحيوان أصلا، فإن كان من الحيوانات الطاهرة في الحياة فإن سؤره طاهر، وإن كان من الحيوانات النجسة في الحياة فسؤره نجس، وعلى ذلك:- فسؤر الآدمي طاهر، لأن ذاته طاهرة، وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت:- كنت أتعرق العرق وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه موضع فيّ، وكنت أشرب الشراب وأنا حائض فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه موضع فيّ فيشرب. وقد كان قدح اللبن يؤتى به فيشرب منه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يعطي من على يمينه فيشرب، ثم يعطيه الآخر من على يمينه، وهكذا، من غير إنكار على أحد، مما يدل على طهارة سؤر الآدمي، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((إن المسلم لا ينجس)) وهو عام في نفي النجاسة عن كل المسلم، ومن ذلك سؤره، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يسقي القوم بيده الشريفة، ثم