تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إليه أن يناقله، فأبى، فأتى النبي صلى الله عليه و سلم، فذكر له، فطلب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله، فأبى، قال: ((فهبه له، ولك كذا وكذا)) أمراً رغبة فيه فأبى، فقال: ((أنت مضارُُ)) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصاري: ((اذهب فاقلع نخله)) (11).

فهدى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنَّ حرية تصرف المرء فيما يملك غير مطلقة، بل تحكمها ترك المضارة، سواء ما كان منها جهالة، وما كان منها عمداً.

إن حال أهل السفينة كما صوره الرسول صلى الله عليه وسلم من الجلاء والبديهة العقلية والمسلمة الفطرية ما يجعله بعيداً عن الجدال، أو التوقف فيه، وهذا ما يجعل إقامته مقام المشبه به حال الدنيا ومن فيها: علائق ومسؤولية، حقاً وواجباً، أمراً يستوجب التسليم المطلق، بأن حكم العقل في حال الدنيا، ومن فيها، حكم السفينة وأهلها: علائق ومسؤولية، وحقاً واجباً، وأن التوقف في ذلك خطيئة عقلية تقذف بصاحبها خارج أفق الإنسانية، فإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم من بعد أن أبان علاقة القائمين على حدود الله في الدنيا، بالواقعين فيها، وبالمداهنين، قد أقام الحجة على كل ذي عقل، أنَّ صلاح المرء في نفسه غير كاف، بل فريضة عليه أن يكون صالحاً، وأن يكون مصلحاً ما حوله، قائماً بالاحتساب والرقابة الراشدة على ما حوله، فلا يدع أيدي العابثين ممتدة بالشر.

فأقام الإنسانية أمام فريضة تغيير المنكر، ومنع أهله منه، والأخذ على أيديهم أيَّا كانت نياتهم ومقاصدهم، قياماً لا تستطيع الفكاك منه، والتخلي عنه، أو التوقف فيه؛ لأن في هذا التوقف والتخلي إخراجاً لها من أفق الإنسانية المسلمة وقذفا بها في حمأة الجاهلية وخبالها.

وهو صلى الله عليه وسلم باختياره عناصر المشبه به على هذا النحو، أبلغ في هدي الأمة إلى أنَّ فريضة تغيير المنكر ضرورة حياة، لا ينظر فيها إلى دوافع فعل المنكر ونوازعه، فإن كثيراً من الماحقات قد يكون مبعثها حسن نوايا الجاهلين الحمقى.

إن حسن النية وحده، لا يثمر خيراً ولا يهدي إليه، إلاّ إذا كان هذا الحسن ثمرة علم وفقه، وحكمه وبصيرة، فأغلق بذلك البيان الباب، في وجه من يتوانى عن تغيير المنكر الواقع اغتراراً بحسن نوايا فاعليه.

وأغلقه في وجه من يتوانى عن التغيير، اغتراراً بالحرية الشخصية، التي بدت في قول المداهنين ((إنما يخرق في نصيبه)).

هذه المقابلة الإبليسية (إنما يخرق في نصيبه) إنما يرفعها لواءاً جمهرة من المداهنين المرجفين في المدينة، يدلسون بهذه الأغلوطة الإبليسية (الحرية الشخصية) على الدهماء، الذين يلهثون خلف كل ناعق، بما يرفع عنهم تكاليف الصلاح والإصلاح، ويبهرج لهم أغلوطاته، بما تشتهيه نوازع الحيوانية فيهم. فما من مذهب فلسفي أو سياسي أو اجتماعي أو فني،، أراد أن يضرب في الأمة المسلمة فيوهي بنيانها، فيصرف الناس عن الاستمساك بالهدي، إِلا رفع شعاراً (أغلوطة) الحرية الشخصية: إنما يخرق في نصيبه.

فقة تغير المنكر · الصفحة ٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقة تغير المنكرص ٩