تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عادوا إليها، رجع صلاح الدين إلى تبنين ثم إلى عكا بنظر حالها، ثم عاد إلى المعسكر في مرجعيون.

وعلم صلاح الدين وهو في معسكره أن الفرنج يخرجون من صور للاحتطاب والاحتشاش متبددين - متفرقين .. فكتب إلى من بعكا من الجند، وواعدهم في يوم معين (ثامن جمادي الآخرة سنة 580 ه) ليلاقوا الفرنج من الجانبين، ورتب كمناء في موضع من تلك الأودية والشعاب، واختار جماعة من شجعان جنده، وأمرهم أنهم إذا حمل عليهم الفرنج، قاتلوهم شيئا من قتال، ثم تطاردوا لهم وأروهم العجز عن مقاتلتهم، وانسحبوا من وجههم، فإذا تبعهم الفرنج استجروهم إلى أن يجوزوا مواضع الكمين، ثم بعطفوا عليهم، ويخرج الكمين من خلفهم، فخرجوا على هذه العزية.

فلا تراءى الجمعان، والتقت الفئتان، أنف فرسان المسلمين أن يظهر عنهم اسم الهزيمة، وثبتوا، وقاتلوهم، وصبر بعضهم لبعض، واشتد القتال وعظم الأمر، ودامت الحرب، وطال على الكمناء الانتظار، فخافوا على أصحابهم، وخرجوا من مكانهم نحوهم مسرعين، وإليهم قاصدين، فأتوهم وهم في شدة الحرب، فازداد الأمر شدة على شدة، وكان فيهم أربعة أمراء من ربيعة طي، وكانوا يجهلون تلك الأرض، فلم يسلكوا مسلك أصحابهم، فسلكوا الوادي ظنا منهم أنه يخرج بهم إلى أصحابهم، وتبعهم بعض مماليك صلاح الدين، فلما رآهم الفرنج بالوادي علموا أنهم جاهلون، فأتوهم وقاتلوهم، فقتلوهم. وجاء المسلمون من الغد إلى موضعهم فرأوا القتلى.

خرج الفرنج على الصعب والذلول برا وبحرة، يحفزهم الباعث الديني والنفساني القتال المسلمين، و جاؤوا من كل فج عميق، فلولا لطف الله تعالى بالمسلمين، وإهلاکه الملك الألمان لما خرج إلى الشام، لكان يقال إن الشام ومصر كانتا للمسلمين، واجتمع الفرنج بصور يموج بعضهم في بعض، ومعهم الأموال العظيمة، والبحر يمدهم بالأقوات والذخائر والعدد والرجال من بلادهم. فضاقت عليهم صور ظاهرها وباطنها. وأرادوا قصد صيدا، فلما فشلوا في مسعاهم، اتفقوا على قصد عكا ومحاصرتها ومصابرتها. فساروا إليها بفارسهم وراجلهم وقضهم وقضيضهم، ولزموا البحر في مسيرهم، لا

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ٢١٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ٢١٠٣