إلى بغداد، وسير معهم الهدايا الكثيرة؛ وقرأ المأمون الكتاب، وأحضر ذا الرياستين - الفضل بن سهل - وأقرأه الكتاب؛ واستشاره؛ فأشار عليه بملازمة خراسان، وخوفه من القرب من الأمين، فقال المأمون: ولا يمكنني مخالفته، وأكثر القواد والأموال معه؛ والناس مائلون إلى الدرهم والدينار؛ لا يرغبون في حفظ عهد ولا أمانة، ولست في قوة حتى أمتنع، وقد فارق جيغويه الطاعة؛ والتوى خاقان ملك التبت، واستعد ملك
کابل للغارة على ما يليه؛ ومنع ملك اتراد بنده الضريبة؛ ومالي بواحد من هذه الأمور بد؛ وأنا أعلم أن محمدا لم يطلب قدومي إلا لشر بريده؛ ولا أرى إلا تخلية ما أنا فيه واللحاق بملك الترك خاقان والاستجارة به لعلى آمن على نفسي، فقال ذو الرياستين:
إن عاقبة الغدر شديدة؛ وتبعة البغي غير مأمونة؛ ورب مقهور قد عاد قاهرة. وليس النصر بالكثرة والقلة؛ والموت أيسر من الذل والضيم؛ وما أري ان تصير الى أخيك متجردة من قوادك وجندك؛ كالرأس الذي فارق بدنه؛ فتكون عنده كبعض رعيته؛ يجري عليك حكمه من غير أن تبدي عذرة في قتال. واكتب الى جبغويه وخاقان فولها بلادها، وابعث إلى ملك كابل بعض هدايا خراسان روادعه؛ واترك لملك اتراد بنده ضريبته، ثم اجمع اليك أطرافك؛ وضم جندك، واضرب الخيل بالخيل والرجال بالرجال، فإن ظفرت وإلا لحقت بخاقان .. وفعل المأمون ما أشار به الفضل بن سهل - ذو الرياستين - فرضي اولئك الملوك العصاة؛ وضم جنده وجمعهم عنده - وكتب إلى الأمين: وأما بعد! فقد وصل إلى كتاب امير المؤمنين؛ وإنما أنا عامل من عماله؛ وعون من أعوانه؛ أمرني الرشيد بلزوم الثغر؛ ولعمري إن مقامي به أرد على أمير المؤمنين وأعظم غناء للمسلمين من الشخوص إلى أمير المؤمنين. فإن كنت مغتبطة بقربه مسرورة بمشاهدة نعمة الله عنده، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقرني على عملي ويعفيني من الشخوص إليه؛ فعل إن شاء الله .. فلما قرأ الأمين رسالة المأمون؛ عرف انه لن يتابعه إلى ما يريد. فأرسل وفدا لتحريض العامة، فوجد الوفد تدبيرا محكما، وحوصروا في حال سفرهم وإقامتهم؛ ومنعوا من أن يخبروا أو يستخبروا. فلا رجعوا أخبروا الأمين بما رأوا