(يوم 19 شباط - فبراير). وأثناء ذلك بقيت المذابح مستمرة في جميع انحاء المدينة: وتعرض للقتل على السواء اولئك الذين بادروا إلى التسليم، وأولئك الذين حملوا السلاح وقاتلوا. وهلك النساء والأطفال مع رجالهم، وعثر أحد المغول في أحد الشوارع الجانبية أربعين طفلا حديثي الولادة، فأجهز عليهم - رحمة بهم -. وأظهر عساكر الكرج ما اختزنوه من حقد على المسلمين، فكانوا أول من اقتحم الأسوار، وأكثر من مارس القتل والذبح، فهلك في أربعين يوما نحو ثمانين ألفا من سكان بغداد. ولم يبق على قيد الحياة إلا فئة قليلة ساعدها الحظ فلم يكتشف المغول الحواصل التي اختبأوا فيها، فضلا عن عدد من الغليان والفتيان الذين أخذوا أرقاء. وكذلك الجالية المسيحية التي لم يتعرض لها أحد بسوء. وتابع المغول اعمال النهب والقتل والتدمير. فتم إتلاف آلاف الكتب الثمينة التي تجمعت في مكتبات بغداد على امتداد قرون. وألقي بالكتب والمخطوطات في دجلة، وبلغت رائحة الجثث المتعفنة بالمدينة من النتن ما دفع هولاكو إلى سحب جيشه من بغداد في نهاية شهر آذار - مارس - 1258 خوفا من التعرض اللوباء. وصار بحوزة هولاكو وجنده ما ضمنه عاصمة المسلمين من ثروات و کنوز تجمعت فيها خلال مئات السنين. وأرسل هولاكو قيمة كبيرة من الغنائم إلى أخيه الخان الكبير منكو، وانسحب راجعا إلى همذان. وسار منها الى اذربيجان حيث شيد قلعة منيعة في (شها - على شاطيء بحيرة أرمية) وجعل منها مستودعا لكل ما استحوذ عليه من الذهب والجواهر الثمينة. وجعل على بغداد والية هو الوزير الشيعي السابق مؤيد الدين بن العلقمي. أما البطريرك النسطوري - ماكيكا. فغمره هولاكو بالاحباس، وجعل له أحد قصور الخلفاء مقرا و کنيسة. وأخذت بغداد في استعادة نظافتها رويدة رويدة، غير أنها لم تعد بعد أربعين سنة سوى مدينة اقليمية لا يتجاوز حجمها مقدار عشر حجمها السابق.
ابتهج المسيحيون في كل مكان بآسيا لذيوع نبأ تدمير بغداد، وكتبوا وهم في نشوة النصر عن سقوط بابل الثانية، وهللوا لهولاكو وطقزخاتون واعتبروها قسطنطين وهيلانة، وأنها ليسا إلأ أدوات الله للانتقام من المسلمين. هذا في اجتاحت العالم الإسلامي موجة عميقة من الحزن والغضب. فلقد حوصر المسلمون بالفرنج والمغول