الفتنة سوق العروس، وسوق الصفارين وسوق الأنماط وسوق الدقاقين .. ووقع القتال في اصقاع البلد من جانبيه. وأظهر الجند كراهة الوزير الشيعي - جلال الدولة - وأرادوا قطع خطبته، ففرق فيهم مالا وحلف لهم - بأنه لا علاقة له بما حدث - فسكنوا. ثم عاودوا الشكوى الى الخليفة منه، وطلبوا أن يأمر بقطع خطبته - الدعاء له. فلم يجبهم الخليفة إلى ذلك، وامتنع جلال الدولة حينئذ عن الجلوس وضرب النوبة أوقات الصلوات، وانصرف الطبالون لانقطاع الجاري لهم - الرواتب. واستمر ذلك ستة أشهر تقريبا، لم يضرب خلالها بوق ولا طبل، ولا أظهرت الزينة، وزاد الاختلاط، ثم حدثت بعد ذلك فتنة بين السنة والشيعة، وزاد الشر ودام شهرين. واعترض أهل البصرة قوما من - قم - أرادوا زيارة مشهد على والحسين عليهما السلام، فقتلوا منهم ثلاثة نفر، وامتنعت زيارة مشهد موسي بن جعفر.
يمكن بعدئذ القفز من فوق أحداث مشابهة تكرر وقوعها طوال عشرين سنة، حيث يمكن قراءة ما حدث سنة 443 ه = 1051 م: تجددت الفتنة ببغداد في هذه السنة بين السنة والشيعة، وعظمت أضعاف ما كانت قديمة، فكان الاتفاق الذي حدث قبل سنة اتفاقا غير مأمون الانتقاض لما في الصدور من الإحن. وكان سبب هذه الفتنة أن أهل الكرخ - الشيعة - شرعوا في عمل باب السماكين. بينما عمل أهل الغلائين في اكمال ما بقي من باب مسعود. ففرغ أهل الكرخ، وعملوا أبراجة كتبوا عليها بالذهب (محمد وعلى خير البشر) وأنكر السنة ذلك، وادعوا أن المكتوب هو
محمد - وعلي خير البشر فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر). وأنكر أهل الكرخ الزيادة، وقالوا: ما تجاوزنا ما جرت به عادتنا فيا نكتبه على مساجدنا. فأرسل الخليفة القائم بأمر الله نقيب العباسيين أبا تمام ونقيب العلويين عدنان بن الرضى لكشف الحال وإنهائه. فكتبا بتصديق قول الكرخيين. فأمر حينئذ الخليفة ونواب الملك الرحيم بكف القتال. فلم يقبلوا، وانتدب القاضي ابن المذهب والزهيري وغيرهما من الحنابلة أصحاب عبد الصمد، واتهموا بجمل العامة على الإغراق في الفتنة، فأمسك نواب الملك الرحيم عن كفهم غيظا من رئيس الرؤساء - رئيس الوزراء - لميله إلى الحنابلة. ومنع هؤلاء السنة من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ - و كان نهر عبسي قد انفتح بثقه، فعظم