حاجة للخميس، فاذا كانت مراكز القوى تعتمد على الجند الكثيف للمحافظة على وجودها، فان هذا الجند الكثيف سرعان ما يتحول إلى عبء ثقيل على صاحبه. و كان باستطاعة الخليفة، وهذا ما فعله، أن يعتمد على قائد مركز القوة، طالما بقى قائد هذه القوة مالكة لزمامها ومسيطرة عليها، وطالما أنه وقوته بقي مخلصة للاسلام وأهله، وخاضعة بالولاء للخليفة، فإذا ما تغير، كان باستطاعة الخليفة الاعتماد على مركز أقوى، ويدين للخليفة بولاء أكبر. ولعل في قصة ارتباط الأتراك الغز بالسلاجقة، أفضل نموذج لمثل هذه العلاقة.
كان الأتراك الغز - السلاجقة - بقيادة طغرل بك - قد بسطوا سلطتهم على اقاليم الشرق - بلاد فارس و خراسان حتى حدود الهند - في سنة 446 ه = 1054 م. وفي هذه الفترة كان قائد الديلم - البساسيري - قد بسط هيمنته على بغداد، وعمل وزيرة للخليفة، وكان الأكراد - بني مروان - يسيطرون على الجزيرة الشامية. وقد خضع الخليفة للبساسيري مکرها رغم إظهار البساسيري للتشيع، ومكاتبته لخلفاء الفاطميين - العلويين - بمصر، ودعائه لهم على المنابر. فلما كانت السنة التالية (447 ه 1055 م) ثارت فتنة ببغداد بالجانب الشرقي بين العامة، وثار جماعة من أهل السنة، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحضروا إلى الديوان - ديوان الخليفة - وطلبوا أن يؤذن لهم في ذلك، وان يتقدم إلى أصحاب الديوان بمساعدتهم فأجيبوا إلى ذلك. وحدث من ذلك شر كثير. ثم إن أبا سعد النصراني صاحب البساسير? حل في سفينة سمائة جرة خرة ليحدرها إلى البساسيري بواسط، فحضر ابن سكرة الهاشمي وغيره من الأعيان في هذا الباب وتبعهم خلق كثير، ومعهم حاحب باب المراتب من قبل ديوان الخليفة - وقصدوا السفينة، وكسروا جرار الخمر وأراقوه، وبلغ ذلك البساسيري فعظم عليه. وكتب فتاوي أخذ فيها تواقيع الفقهاء الحنفية بأن الذي فعل من كسر الجرار وإراقة الخمر تعد غير واجب، لأنها ملك رجل نصراني. وتردد القول في هذا المعنى. وزاد ذلك من غضب أهل السنة، فحضروا إلى دار الخلافة، واستأذنوا في قصد دور البساسيري ونهبها، فأذن لهم في ذلك فقصدوها ونهبوها وأحرقوها، ونكلوا بنسائه وأهله ونوابه. ونهبوا دوابه وجميع ما يملكه ببغداد. وتم أبعاد البساسير?