تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مثل هؤلاء القادة بركوب المركب الخشن، ومفارقة الطاعة والجماعة، رغم فشل التجارب المتتالية لحركات الردة؟ يعرف المسلمون أن ظهور مثل هؤلاء المرتدين هو ابتلاء لأصحاب الردة خاصة، وللمسلمين عامة. ولقد وضح من خلال تجارب حروب الردة انها كانت خيرا على المسلمين، رغم ما تعرضوا له من المعاناة، ورغم ما نزل بهم من النوائب. وقد اختلفت النوازع التي دفعت قادة المرتدين للقيام بحركاتهم والإضطلاع بثوراتهم، فمنهم الطائع ومنهم الطامع. ومنهم المخدوع. وجميعهم يدفعهم الحقد والكراهية للإسلام والمسلمين. ولقد مارس هذا الحقد وتلك الكراهية دورها حتى داخل مجتمع الردة. فكان في ذلك تأكل هذا المجتمع وتفتته وتمزقه.

وتبقى حروب الردة منهلا ثرا وموردا خصبة لكثير من الدروس الهامة، والتي احتفظت بقيمتها وأهميتها رغم تقادم الزمن. ويظهر استعراض مسيرة الأحداث لتلك الحروب مدى ما كان عليه المجتمع الإسلامي من التطور الفكري خلال تلك الفترة الموغلة في القدم. سواء في مجال السياسة الاستراتيجية، أو في مجال فن الحرب أو في مجال قيادة الأعمالى القتالية، أو في مجال العمل التنظيمي. على جبهتي الصراع. وإن مطالعة تلك الأحداث يستطيع أن يتصور بكثير من الذهول و كأن ما حدث قد وقع بالأمس القريب. وذلك بصرف النظر عن الأسلحة ووسائط الصراع. لقد وصل الفكر السياسي والفكر العسكري في تلك الحقبة إلى مرحلة متقدمة جدا لا تنافسها إلا أحدث التجارب الثورية. وقد يصعب العثور في أي تجربة تاريخية الحصول على نماذج متكاملة للحروب الثورية المتلاحمة بالحروب التقليدية - النظامية -

كتلك التي حفظتها حروب الردة. ويعتبر ذلك عطاء خيرا لفن الحرب الإسلامي الذي قدم من التجارب ومن الدروس ما لم يتوافر لأية تجربة تاريخية أخرى. وقد يشعر إنسان الأزمنة الحديثة باعجاب كبير بتلك القوى والقيادات التي اضطلعت بأعباء حركات الردة. وقد يكرهها ويمقت أصحابها. وكذلك الأمر عندما يطالع دور القيادات والقوى المضادة للردة، إذ قد يتعاطف معها ويحبها، أو يقف منها موقفة مغايرة، ولكن لا يسعه في الحالات كلها إلا أن يشعر بقوة الإسلام وبفضله على هذه الأمة، حيث دفعها لآفاق التطور الفكري الواسعة، واستنفر كل قدراتها الكامنة،

فن الحرب الإسلامي · الصفحة ١٧٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فن الحرب الإسلاميص ١٧٣٨