خائفون منك فالحق بهم فإنك تظفر .. فجرد الملك عسكره من أثقالهم. وسار بقوات خفيفة؛ وأسرع في مسيره. فنظم المسلمون قواتهم للمعركة، واقتتلوا، واشتدت الحرب بينهم؛ فحمل طائفة من الفرنج على قلب قوات المسلمين والاعلام، فمزقوا قوات المسلمين؛ ووصلوا إليها، وقد تفرق كثير من المسلمين عن أميرهم؛ واختل نظامهم. فوصل الفرنج إليه فأصابته ضربة على أم رأسه فقتل، وقتل معه جماعة من أعيان الناس وشجعانهم. ثم إن المنهزمين من المسلمين رجعوا مصممين على القتال ليظفروا أو يموتوا. واشند حينئذ الأمر؛ وعظم الخطب على الطائفتين. فانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وقتل منهم نحو أربعة آلاف قتيل. وأسر من بطارقتهم كثير. وتبعوهم إلى أن أدركهم الليل، وغنموا من أموالهم كثيرة. وأفلت ملك الفرنج هاربة ومعه رجل يهودي كان خصيصا به، فوقف فرس الملك، فقال له اليهودي: دار کب فرسي؛ فإن قتلت فأنت لولدي و فركبه الملك وقتل اليهودي، فنجا الملك إلى خيامه وبها زوجته وأصحابه فأخذهم وعاد إلى - رومية -. ولما قتل الأمير - أبو القاسم (*) كان معه ابنه جابر؛ فقام مقام أبيه، ورحل بالمسلمين على الفور، ولم يمكنهم من جمع الغنائم، فتركوا كثيرة منها. وسأله أصحابه أن يقيم إلى أن يجمع السلاح وغيره؛ ويعمر بها الخزائن؛ فلم يفعل.
مضى زهاء نصف قرن من عمر الزمن ساد خلاله الهدوء النسبي على جبهة البحر؛ حتى إذا ما كانت سنة 416 ه = 1025 م؛ خرج الروم في جمع كثير؛ وملکوا ما كان للمسلمين في جزيرة قلورية - وهي المجاورة لجزيرة صقلية - وشرعوا في بناء المساكن ينتظرون وصول مراكبهم و جموعهم مع ابن اخت ملك الروم. فبلغ ذلك حاكم مصر - المعز بن باديس - فجهز أسطوة كبيرة من أربعمائة قطعة، وحشد فيها، وجمع خلقأ كثيرة، وتطوع جمع كبير للجهاد رغبة في الأجر والثواب، فسار الاسطول، فلا قرب من جزيرة قوصرة - وهي قريبة من بر افريقية. خرج عليهم ريح شديدة؛ ونوه عظيم؛ فغرق أكثرهم؛ ولم ينج إلا اليسير.
(*) كانت مدة إمارة أبي القاسم لصقلية اثنتي عشرة سنة رخة أشهر (310 - 1372 - 170 -
982 م). اشتهر بإشاعة العدل وحسن السيرة والشفقة على رعيته والإحسان إليهم. مات ولم يخلف دينار ولا درهما ولا عقارة، ووقف جميع أملا که على الفقراء وأبواب البر.