و مسائل هذا الفصل على أربعة أقسام * أحدها أن يكون الإقدام على الفعل أولى من تركه و بالترك يصير آثما كما لو أكرهه أهل الحرب أو اللص الغالب الذي هو غير متأول على أكل ميتة أو لحم خنزير أو شرب خمر و قال له لتفعلن هذا و إلا قتلتك أو قطعت يدك أو أذنك و أضربك مائة سوط فامتنع عن ذلك و لم يفعل حتى قتل مع علمه أنه لو امتنع عن ذلك قتل يكون آثما و إن كان لا يعلم أنه يقتل يسعه أن يفعل قال رجوت أن لا يكون آثما * و كذا الرجل إذا كان يموت جوعا و عنده لحم ميتة أو خنزير أو يموت عطشا و عنده خمر فهو على هذين الوجهين * و القسم الثاني ما يكون بالامتناع عن ذلك الفعل مأجورا و بالإقدام عليه لا يكون آثما و الترك أولى له * و صورة ذلك إذا أكره بقتل أو تلف عضو على أن يكفر بالله تعالى فأبى حتى قتل مع علمه أنه يسعه إجراء كلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان و لا يأثم فهو مرخص في ذلك و إن لم يفعل يكون أفضل * و لو كان الإكراه على هذا بقيد أو حبس لا يسعه إجراء كلمة الكفر و إن كان قلبه مطمئنا بالإيمان * و اما القسم الثالث ما يكون مأجورا بترك الفعل و بالإقدام عليه يصير آثما * و صورة ذلك إذا قال لآمر لأقتلنك أو لتقتل هذا المسلم أو تزني بهذه المرأة لا يسعه أن يفعل فإن فعل يصير آثما و إن لم يفعل و قتل يكون مأجورا * و أما القسم الرابع أن يكون الإقدام على الفعل و الامتناع عن الفعل سواء نحو الإكراه على إتلاف مال الغير * و لو قبل له لتشربن هذا الخمر أو لتأكلن هذه الميتة و إلا لأقتل أباك و أمك لا يسعه أن يشرب و لو شرب لا يحد * و لو قبل له لتكفرن بالله و إلا لأقتلن هذا الرجل لا يسعه ‘جراء كلمة الكفر و إن خاف القتل على غيره و يسعه ذلك إذا خاف القتل على نفسه أو تلف عضو منه و في جميع ما ذكرنا إنما يتحقق الإكراه إذا كان يعلم يقينا او يكون في غالب رأيه أنه لو لم يفعل ما أمره به أجرى عليه ما هدده به * و إن كان في غالب رأيه أن ذلك تخويف و تهديد و ليس بتحقيق لا يكون مكرها * و عن الحسن بن أبي مالك رحمه الله تعالى إذا قال الحربي لمسلم لو دفعت إلي هذه الجارية لأزني بها دفعت إليك ألف نفس من المسلمين تخلصهم من أسرنا لا يحل لهذا المسلم أن يدفع الجارية * و عن ابن شجاع رحمه الله تعالى أنه قال لو قال أهل الحرب لنبي من الأنبياء عليهم السلام و أخذوه إن قلت لست بنبي تركناك و إن قلت أنا نبي قتلناك لا يسعه سوى ان يقول أنا نبي الله و رسوله * و إن قالوا لغير النبي إن قلت ليس هذا بنبي تركنا نبيك و إن قلت إنه نبي قتلنا نبيك له أن يقول ليس بنبي حتى يدفع القتل عن النبي لأن في حق النبي لست بنبي كذب و قول النبي حجة على الخلق فلا يباح الكذب في حق الأنبياء أما قول غير النبي ليس بنبي ليس بحجة على الخلق لذلك يسعه إظهار ذلك عند الإكراه * و إذا أكره الرجل بوعيد حبس أو ضرب لا يخاف تلف عضو منه على أن يكفر بالله فتلفظ بالكفر يصير كافرا و تبين منه امرأته * و إن قال كان قلبي مطمئنا بالإيمان لا يصدق * و إذا أكره الرجل على الكفر فقال كفرت بالله و قال نويت به الخبر عن كفر سابق في الماضي أو كذبا تبين منه امرأته في القضاء * و إن قال كفرت بالله و لم يرد به الإخبار عن الماضي و إنما قصد تحقيق الكفر تبين منه امرأته قضاء و ديانة و يصير كافرا لانه يقدر على الخلاص عن الإكراه بإجراء كلمة الكفر من غير تحقيق * و لو قال كفرت بالله و قلبه مطمئن بالإيمان لا تبين منه امرأته * و لو أكره على سب محمد النبي عليه السلام فسب محمد و خطر بباله محمد آخر و نواه بانت منه امرأته قضاء فإن لم يرد محمد آخر تبين منه امرأته قضاء و ديانة * و إن لم يخطر بباله غير النبي فسب محمد و قلبه مطمئن بالإيمان لا تبين منه امرأته لأنه مكره * و الإكراه في هذه المسائل بوعيد القيد و الحبس لا يكون إكراها و في البيع الإكراه بوعيد القيد و الحبس يكون إكراها * و كذا في كل تمليك يحتمل الفسخ كالإجارة و الهبة و غير ذلك * و كذا لو كان على رجل مال أو كفالة او حق شفعة فأكره بقيد أو ضرب او سجن كانت البراءة باطلة و يكون مكرها * و كذا لو أكره بحبس أو قيد حتى يقر على نفسه بمال أو قصاص أو يقر بحد أو نكاح أو طلاق أو عتاق كان الإقرار باطلا * و لو أكره على هذا بحبس يوم أو قيد يوم أو بضرب سوط فجميع ذلك يكون جائزا و هذا الإكراه لا يمنع جواز شيء من هذه التصرفات و المراد من الضرب الذي يكون إكراها في مثل هذا الضرب الذي يجد منه الألم الشديد لا أصل الألم و أمل القيد و الحبس الذي يكون الإكراه به إكراها أن يجيء منه الاغتمام البين فالحبس المؤبد و القيد المؤبد يكون إكراها و كذا لو لم يكن مؤبدا و لكن يلحقه كثير ضرر و اغتمام شديد فهو بمنزلة المؤبد * و إذا أكره السلطان رجلا بوعيد قيد أو حبس على أن يقتل فلانا لا يكون مكرها فإن قتل فلانا ذلك كان على المأمور القصاص في قولهم * و إن أكرهه بوعيد
فتاوى قاضيخان · الصفحة ٨٦٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
فتاوى قاضيخانص ٨٦٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي