قال الشيخ الإمام محمد بن الفضل رحمه الله تعالى الوقف على ثلاثة أوجه إما أن يكون في الصحة أو في حالة المرض أو وقف ما بعد الموت فما كان في الصحة فالقبض و الإفراز يكون شرطا لصحته كالهبة و ما كان بعد الموت فالقبض و الإفراز ليس بشرط لصحته لأنه وصية إلا أنه يعتبر من الثلث و ما كان في حالة المرض فحكمه حكم الوقف في الصحة و إن كان يعتبر من الثلث كالهبة في المرض يعتبر من الثلث و يشترط فيها ما يشترط في الهبة من القبض و الإفراز كذلك الوقف في المرض و ذكر الطحاوي رحمه الله تعالى إن الوقف المنفذ في المرض كالمضاف إلى ما بعد الموت حتى يعتبر من الثلث لأن تصرف المريض مرض الموت في الحكم بمنزلة المضاف إلى ما بعد الموت حتى يعتبر من الثلث * و ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى الصحيح أن وقف المريض مرض الموت بمنزلة المباشر في الصحة حتى لا يمنع الإرث في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى و لا يتعلق به اللزوم كالعارية إلا أن يقول في حياتي و بعد وفاتي فحينئذ يكون لازما إذا كان مؤبدا و يصير لابد فيه كعمر الموصى له بالخدمة في لزوم الوصية بعد الموت * مريض وقف دارا في مرض موته فهو جائز إن كان يخرج من ثلث ماله و إن لم يخرج فأجازت الورثة فكذلك و إن لم يجيزوا بطل فيما زاد عن الثلث و إن أجاز البعض دون البعض جاز بقدر ما أجاز و بطل الباقي إلا أن يظهر للميت مال غير ذلك فينفذ الوقف في الكل فإن كان الوارث الذي لم يجز الوقف باع نصيبه قبل أن
يظهر للميت مال آخر لا يبطل بيعه و يغرم قيمة ذلك يشتري بذلك أرض و توقف على ذلك الوجه * مريض وقف دارا و عليه دين محيط بماله فإنه يباع الدار و ينقض الوقف كما لو اشترى دارا و وقفها ثم جاء الشفيع كان له أن يأخذ الدار بالشفعة و ينقض الوقف * و لو اشترى رجل دارا شراء فاسدا و قبضها ثم وقفها على الفقراء و المساكين جاز ويصير وقفا على ما وقف عليه و عليه قيمتها للبائع ولو اتخذها مسجدا قال هلال رحمه الله تعالى تصير مسجدا في قول علمائنا رحمهم الله تعالى * وقال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى ذكر محمد رحمه الله تعالى في كتاب الشفعة أنه لا يصير مسجدا فإنه ذكر لو اشترى أرضا شراء فاسدا و اتخذها مسجدا أو بناها بناء المسجد جاز وعليه قيمتها للبائع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى و في قول أبي يوسف و محمد رحمهما الله تعالى ينقض البناء و يرد الأرض على البائع لفساد البيع فاشتراط البناء ثم دليل على أنه لا يصير مسجدا قبل البناء عند الكل فكان في المسجد روايتان عن أصحابنا رحمهم الله تعالى في رواية الوقف لهلال يصير مسجدا عند أصحابنا و في رواية كتاب الشفعة لا يصير مسجدا * قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى لقائل أن يقول في الوقف أيضا روايتان عن أصحابنا رحمهم الله تعالى قال و لقائل أن يقول في الوقف يصير وقفا في الروايتين جميعا * و يفرق هذا القائل بين المسجد و الوقف على إحدى الروايتين * و وجه الفرق أن في الوقف حق العباد فيكون بمنزلة البيع و الهبة و البيع و الهبة يبطل حق البائع في الاسترداد * و أما المسجد خالص حق الله تعالى لا حق للعباد فيه و ما هو خبيث لا يصلح حقا لله تعالى و لهذا قالوا لو اشتروا دارا لها شفيع فجعلها مسجدا كان للشفيع أن يأخذ بالشفعة * و كذا إذا كان للبائع فيها حق الاسترداد كان للبائع أن يبطل المسجد * رجل اشترى أرضا فوقفها قبل القبض جاز إن نقد الثمن و إن لم ينقد الثمن فالوقف موقوف لأن الوقف بشبه العتق فإنه لا يبطل بالشروط الفاسدة * و لهذا لو وقف أرضا على رجل على أن يقرضه دراهم جاز الوقف و يبطل الشرط* قال الفقيه أبو جعفر رحمه الله تعالى إعتاق المشتري قبل القبض جائز و قبل نقد الثمن موقوف فكذلك الوقف و الله أعلم
فصل في رجل يقر بأرض في يده أنها وقف
رجل أقر بأرض في يده أنها صدقة موقوفة و لم يزد على ذلك جاز إقراره و تصير الأرض وقفا على الفقراء لأن الأوقاف عادة تكون في يد القوام فلو لم يصح الإقرار ممن في يده يبطل الوقف و لا يجعل المقرّ هو الواقف إلا أن يشهد الشهود أن الأرض كانت للمقرّ حين أقر فحينئذ يكون المقر هو الواقف و قبل شهادة الشهود كان الرأي فيه للقاضي إن شاء تركه في يده و إن شاء أخذه من يده و تأويل قبول هذه البينة لو جاء رجل غير المقرّ و ادعى أنه هو الواقف و أراد أن يأخذه من يد المقرّ فيقيم المقرّ