بدوارٍ وخورٍ، وألم في الرؤوس، وعشوةٍ في العيون ... وأصبحوا لا يقدرون على المشي إلاّ قليلاً ... غذاؤهم الماء فقط في أيامهم الثلاثة الماضية".
أرأيت؟! إنه الجوع ... ولكنّه جوعٌ مغمس بالكبرياء، يحرسُه الحياءُ، ويصونهُ الإباءُ، وتنيرُ دروبَه أخلاق الحيِّ وتربيةُ البيتِ، وتقفُ أمامه سمعةُ الأهل والعشيرة، إنّه الجوع الإيجابي المتمنع، المتأبّي على الاستسلام، وليس الجوع السلبي المذل، الذي تنهدِمُ معه القيمُ، وتزلُّ به القدم في مهاوي التسوّلِ وإراقةِ ماء الوجه، وتسوِّغُ له المبُررات للانحراف، وماقد يحطُّ من قيمة الإنسان السوي، والمجتمع القويم المعافى.
هذا الموقف الإيجابي الرائع من محمود، أمام جحافِل الجوع الزاحف على البطون، ليس الموقف الإيجابي الوحيد في قصته "الأمل الكبير" بل يكادُ يندرجُ على المواقف كلها في هذه القصة، إن جاز لنا أن نسميها قصةً، لأنّني أرى أنها تندرجُ تحت عنوان مايُسمى بالسيرة الذاتية، أو البوح.
محمود، لا يريدُ أن يكتب قصةً فنيةً، أو أن يتقيد بشروطها الكلاسيكية المعروفة، إنما يريد أن يُسجل حياةً حيّةً نابِضةً، عاشها، ولازال يتحرك فيها، أو تحرِّكه خيوط اللعبة الكبيرة فيها ... أجل يُسجل حياةً، ولكنها ليست الحياة الملطخة بسخام الواقع المتردي، إنّما الحياةُ الجميلةُ التي يريدُها الفردُ المناضلُ الشريف لنفسه، ولغيره من الناس، إنّه يريدُ للحياة أن تكون هكذا سمواً وارتفاعاً، حتى وإن لم تكن، والأمر بسيطٌ جداً لدى محمود، لا يحتاج إلى كبير فلسفةٍ، يوجزُه قوله التالي: "أن أكون فاضلاً أو لا أكون" هو يريد أن يصنع مجتمعاً عاشهُ حلُماً، ومارسه فكراً وعملاً، ويرفضُ أن يعيش كبعضهِم في ظلال التاريخ مطلولٍ بالفجيعةِ، مُرعدٍ بالهول، والذُلِّ -فهذه مسيرةُ كلِّ الأفراد المتفوقين النابهين في تاريخ الإنسانية الذين يصنعون تاريخاً لشعوبهم ... فلربَّما تشبَّه محمود بهم، وانتهج سبُلهم.
وسط معمعة الجوع والبرد، وفي قمة التحدي الإيجابي لإشكالية الجوع، والإباء الشامخ لإنسان ريفنا السوري الذي يصوغُ جوهر الحياة، وتكسو العِزة أخلاقه، لم يُسئ محمودٌ إلى المدينة، ولا لإنسان المدينة، بل جعلنا نحسُّ معه دوافع الخير عندَها، وعلى حالها كما هي في الريف، بعيداً عن زَنخة الصراع الطبقي وهرتقة حقد البروليتاريا.
وهكذا تسندُ قيم القرية في وطننا خاصِرة المدينة، وتمدُّها بكل ماهو خير وجميل، لتشكلان معاً مسيرةَ صادقةً، على دروب الشيم العربية الأصيلة، وسنن