***
قرأت "الأملُ الكبيرَ" فقرأتُ فيها قِصَّة حياة محمود الفلاح، بشحمه ولحمه منذ أن اكتحلت عيناه بنور الحياة، في الهزيع الأخير من الثلاثينات، حتى عرفته رجلاً ولا كلُّ الرجال ... رأيتُه يرسم حياةّ ذلك الطفل الذي ولد قبيل شبوب الحرب الكونية الثانية "في قرية بسيطةٍ، ضمن عائلةٍ متوسطة الحال مادياً، لكنّها معروفةً بشهامتها وكرمِها" كما دوَّنها ... ولا ينسى ذكرَ أدقِ التفاصيل، وكأنَّه ركَّب على سنان قلمه آلة تصويرٍ، تلتقطُ كلَّ مايُعرض أمامها، وتُصوِّرُ بضوءِ القلب لا العين، وفي أحيانٍ أخرى تراهُ يُسلِّط الأضواء الكاشفة على بعض القضايا، فيجسِّمُها لك وكأنَّك أمام شاشةِ عرض للصورِ المجسَّمة "البانوراما" فترى الحدث، بحجم الشاشة واتساع الزمن، وتتصَّببُ عرقاً انفعالاً مع وقع الحدث، وتُهِمُّ أن تتحرَّك لنصرتهِ، حيناً، أو للدفاعِ عنه أحياناً أخرى .... وينجح محمودٌ أيّما نجاحٍ في عملية التوصيل حتى لَيجعلُكَ تشتبِكُ مع دفقاتِ الحدث، لاتدري، أأنت الفاعلُ، أم المُنفعل!! ..
يجرَي كلّ ذلك تحت سمعِكَ وبصرِكَ ببساطةٍ وعفويّة دون تصيد لعناصر القصة، وشروطها الفنية، أو الإغراق في تقنية السرد والحوار، أو التلاعُب في تغيير أحجار اللُّعبة، ومهارة تنقيلها، بين الخطف خلفاً، أو اصطناع الحدث وتحريكه قسراً، أو افتعال التأزيّم للَفتِ النظر وشدِّ الانتباه ... ويستعملُ لُغةً، إن لم تكن هي الدارجة اليوميَّة، فإنّها ليست العاميّة على أي حال، ولكنّها ليستْ المعجمية المقعرة أيضاً، ولا تخلوُ في كثيرٍ من الأحيان من لمساتٍ فنيةِ هُنا، وإشراقياتٍ بيانيةٍ هُناك.
محمودٌ، لاتهمُّه اللغةُ إلاّ بقدرِ ما تحملُ من طاقاتٍ تعبيرية قادرةٍ على تفريغ كلّ الشحنات الفكرية والعاطفية التي يمورُ بها خياله الرشيق، وإن وجدت كلمةٌ أنيقةٌ هُنا، أو جملةٌ رشيقةٌ هناك، فلأن محموداً شاعرٌ بالدرجة الأولى، وكاتبٌ من الدرجة الثانية.
الشتاءُ في المدينة درعا عند محمود، لا تُميزه عن الشتاء في قريته الصنمين نبوةٌ.
فالمطرٌ غزيرٌ، والبردٌ قارصٌ، والجوعُ يعضُّ المعدة الخاوية ويلتهم الأمعاء الفارغة ... آه لو تقرأ معي جوع محمود!! وهو يصف الشاب محمودَ وزميلهُ في ليل المدينة الغريب. في زمهرير الشتاء، وقد عضُّهما الجوعُ بأنيابه العُصل ِ وقد خلا وفاضُهما من أيِّ عقدٍ على نقدٍ ... "أمطارٌ شديدةٌ، وبرد وثلجٌ ويشعر الأطفالُ