تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعبّر إبداعياً عنه، فيما هو يعاني تراجيديا حياته ذاتها، تحت ثقل هذا المركّب وعبره، ومنْ خلال انكشافاته الحديثة بماهي "الراهن" و"المباشر" ...

وهكذا وجدنا أنفسنا أمام أوّليات منهج في النقد قد لا تكون -مفردة- جديدة بتاتاً، ولكنّ الجديد فيها هو استخدامها كمركب معياريٍ مُوحّدٍ، لكشف فردّية العمل الإبداعيّ أساساً، بما هذه الفردية- بكلّ ما تعنيه من موهبةٍ وثقافة وقدرةٍ على التعبير والإيصال والإمتاع- هي الإطار الوحيد الممكن لانكشاف "العام/ مركّبِ الواقع في صيغة الكلية والشاملة.

أما "النقد الأخلاقي أو الديني" عندما يريد أن يقوّم عملاً فنياً هو في الأصل غير ناشئ عن الإرادة التي هي قوام الإنسان الخيّر، لكنّها قطعاً ليست قوام الإنسان الفنان، فإنّه يعجز عن تقويم ذلك الأثر الفني.

فقد تعبّرُ الصورة مثلاً عن فعلٍ يحمد أو يذمّ من الناحية الخلقية ... لكنّ الصورة من حيث هي صورة، لا يمكن أن تحمد أو تذم من الناحية الأخلاقية، لأنّه ليس ثمّة حكم أخلاقي يمكن أن يصدر عن عاقل ويكون موضوعه صورةً.

يقول كروتشيه: "إن الفنان فنان لا أكثر، أي إنسان يحبّ ويعبّر وليس الفنان من حيث هو فنان عالماً، ولا فيلسوفاً، ولا أخلاقياً ... وقد تنصبّ عليه صفة التخلق من حيث هو إنسان، أما من حيث هو فنان خلاّق فلا نستطيع أن نطلب إليه إلا شيئاً واحداً: هو التكافؤ التام بين ما ينتج، وما يشعر به ... " "لو صحّ لنا أن نقبل ما زعمته المدرسة الأخلاقية في الفن ... لمات الفن مختنقاً بأبخرة المعابد، ولوجب أن نحطم كلّ التماثيل العارية التي نحتها ميكيل إنجلو، والصور البارعة التي رسمها رفائيل، لأنّها إثم يجب أن لا تقع فيه العين.

لو ذهبنا مع أشياء المدرسة النقدية الأخلاقية حيثُ يريدون، لوجب أن نخرج من حظيرة الشعر الجيّد قصيدة النابغة الذبياني -المتجردة- التي قالها في زوجة النعمان، وقد انزلق مئزرها عن نهدين، شابين، مرتعشين:

سقط النصيف ولم تُرِدْ إسقاطه ... فتناولتهُ، واتَّقتنا باليد.

ولكان علينا أن نلعن النابغة، ونعتبره ضالاً لا يستحق أن نقرأ سيرته وأشعاره.

وكذلك معلّقة امرئ القيس وغيرها من القصائد الباقية على الزمان في ديوان عمر بن أبي ربيعة وغيره من الشعراء.

ونحن من خلال تحليلنا هذا لمشكلات النقد العربي ما تجاوزنا تصنيف

في رحاب الفكر والأدب · الصفحة ٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في رحاب الفكر والأدبص ٢٧