تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرقيقَ الرطب المتشهى الذي يرشحُ عاطفةً ورياً وصبابةً ... ولا هو ذلك الغزل العُذريّ الذي يترفع عن أوصاف الجسدِ المادية، والإيغال في نقلِ تفاصيلها .. ولا هو ذلك الغزل العُمرَيّ المسافر في تفاصيل الجسد وأغراضه، ووصف جمر اللقاءات في الليالي المقمرات.

لا هذا، ولا ذاك .. إنه مزيج متجانسُ من كلِّ هذا وذاكَ، وأهمُّ ما يميزُه ذاك المنحى العقلي، الذي يظلُّ فيه الذهنُ رقيباً وضابطا لخفقات القلبِ، وراتعاشات الفؤاد. ومن جراء ذلك قد نحسُّ بعضَ اليبس والجفاف في عاطفة الشاعر في بعض الأحيان، على عكس ما شاهدناهُ في شِعره الوطنيّ والقوميّ والاجتماعيّ، حيث تتدفقُ العواطفُ مشتعلةَ لاهبةً، وتنثالُ المشاعر جياشةً حارةً، ويتفجرُ الصدقُ على شفاهِ الحروف ... ومع ذلك، فإننا لا نستطيعُ أن نجورَ في وصفنا لعواطف الشاعر ومصداقيتها وحرارتها في كلِّ الأحيان.

والشاعر يوسف لا يفتعِلُ الحبِّ، ولا يخُطِّطُ للمواعيد، إنما هي سوانحُ قلبٍ شفهُ الوجدُ يوماً، وساقتهُ العواطف إلى مذبح الحبِّ.

المحبوبةُ في ديوان الشاعر ليستْ بدوية مترفةً، ترفلُ بعباءتها فوق مبذلها .. ولا هي قروية حصدتْ أشعةُ الشمس زغبَ المُخْمَلِ من وجنتيها .. أبداً، إنها غادة متمدنة، يلهثُ الصيف على خيطانِ قميصها الأرجواني، وتنفلتُ عنها الثقافات مُعبرة بجملةٍ مؤنقةٍ هنا، وإيماءة رشيقة بأطراف الأنامل الصبيغةِ هناكَ، وخصلةِ شعرٍ تتناوسُ على هلالِ جبينها، وتهمس العطر في أُذنيها، كقوله:

يا منْ رأي!!

شلاّلَ طيبٍ

صَبَّ ذوْبَ المِسْكِ

- مُرتاحاً على الأكتاف ..

يختارُ منَ الألوانِ

أحْلاها-

وَسَمَّرُ مكان؟ ...

ويظلُّ الحبُّ عندَ الشاعر عقلياً كما قُلنا. قدْ يزول. ويعفو عليه الزمن، إلاّ أنَّ الجمرَ يظلُّ يتلظّى تحتَ الرمادِ، ويبقى الصدى مُرتسماً على صفحاتِ الذاكرةِ، كقوله:

وستبقى القبلةُ الأولى

في رحاب الفكر والأدب · الصفحة ١٢٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في رحاب الفكر والأدبص ١٢٢