وأما عمق النظر فهذا يدركه كل من قرأ (المستقبل لهذا الدين) الذي صدر في الوقت الذي خيم فيه الظلام على المنطقة ولم تعد ترى فيها بصيصا من نور في هذا الليل البهيم وكثيرا ما كان يردد ستهب في المرحلة القادمة على المنطقة رياح من الإسلام الأمريكي!؟ وقد كان!.
ولقد رأيت هذه الملامح على تفكير أخيه الأستاذ محمد قطب -حفظه الله- فكثيرا ما كان يحدث بأمور يتوقعها كنت أحسبها أيامها ضربا من الخيال أو اغراقا في الأوهام، ثم رأيتها واضحة جلية في واقع الأرض..
- سعة الأفق وهذا راجع إلى عاملين..
أولاهما: الاطلاع على المخطط العالمي لضرب الإسلام.
ثانيهما: سعة ثقافته واطلاعه على الثقافة الإنسانية.
أما اطلاعه على المخطط العالمي لضرب الإسلام ممثلا بالحركة الإسلامية، فلقد كان مبعوثا لوزارة المعارف المصرية إلى أمريكا في الوقت الذي لم يكن يعرف فيه حقيقة الإسلام بعد، ولم يلتزم بعد بتعاليمه، فيقول عن نفسه وهو في طريقه إلى أمريكا: (كنت أحد ستة نفر من المنتسبين للإسلام في باخرة تشق عباب الأطلسي ميممة شطر أمريكا) وفي أمريكا جرت له حادثتان كانتا سببا لدخوله في الحركة الإسلامية (كما حدثني بذلك أحد أرحامه):
أولهما: كما يحدث هو: كنت في 13 شباط 1949 مستلقيا على أحد أسرة مستشفى في أمريكا فرأيت رقصا صاخبا وموسيقى وأنوارا ورأيت الابتسامات تعلو الوجوه، والفرح يغمر المستشفى فقلت: أي عيد هذا الذي تحتفلون به قالوا: اليوم قتل عدو النصرانية في الشرق، اليوم قتل حسن البنا.
قال: فهزتني هذه الكلمة من أعماقي.
ثانيهما: إن السفارات العالمية كانت تتسابق على اصطياد الشباب المسلم، وسيد كصحفي معروف كان أحد هؤلاء الذين تدور حولهم العيون ليكون صيدا سهلا وفريسة مستساغة لصائده فدعاه مدير الاستخبارات في السفارة البريطانية في واشنطن إلى بيته.
قال سيد: فعندما دخلت بيته كم أذهلني مفاجأة أني رأيت عنده كتاب (العدالة الاجتماعية) ولم يكن قد وصل أمريكا إلا نسخة واحدة أرسلها لي أخي محمد إذ أنه قد أشرف على طباعة الكتاب في غيابي، وبدأ الحديث عن الشرق ومصر وتوقعات المراقبين بأن الوريث للحكم الملكي القائم هو أحد اثنين: إما الشيوعيون وإما الإخوان المسلمون والمرجح أنهم الإخوان ثم بدأ يفتح لي ملفا خاصا بالإخوان فيه من التفصيلات والجزئيات مما يدق على أبناء مصر أنفسهم حتى المختصين، ثم قال: إذا وصلت جماعة الإخوان إلى الحكم فإنها ستحرم مصر من ثمار الحضارة الغربية، ثم قال أخيرا :
نحن نهيب بأمثالك من المثقفين أن يحولوا بين الإخوان وبين الوصول إلى الحكم لأن وصولهم هو نهاية مصر المؤسفة الأليمة؟ قال سيد: وفي بيت مدير الاستخبارات البريطاني في واشنطن قررت أن أدخل جماعة الإخوان فور عودتي، لأنه لا يمكن