[*نشرت في مجلة الجهاد -العدد الواحد والعشرون- ذو الحجة 1406هـ، أغسطس/1986م].
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا وبعد:
فلا زال هذا الجهاد العظيم يحيي النفوس بما يقدم يوميا للساحة الإسلامية من أفذاذ وما يسطر في واقع الناس من أساطير أبعد من الخيال ولكنها واقع مكتوب بالدماء متوج بالجماجم والأشلاء.
عرفت على طريق هذا الجهاد المبارك نماذج ليس لها ذلك البريق الإعلامي الجذاب ولا دوي الشهرة الخادع الذي غالبا ما يخلب ألباب الجماهير ويضيع الحقيقة تحت أبواق الإعلام والمزامير.
فممن عرفت: أسد كونر (جل الرحمن أي زهرة الرحمن) شاب في السابعة عشرة من عمره مشرق الوجه لم يكتمل نبات الشعر في وجهه بدأ الجهاد وهو في العاشرة من عمره إذ أنه فجر دبابة بلغم وهو في العاشرة، وواصل جهاده في منطقته مع أقاربه وأصبح الموت يفزع منه، كان يحمل نفسية رقيقة ولكنه في شجاعة الأسد، حياته الجهاد ونعيمه الجلاد لا يهدأ ولا يقر إلا إذا دوت المدافع وهدرت الدبابات ولعلعت الرشاشات.
قتل أكثر من مائة شيوعي، وذات مرة أسر أسيرا من الشيوعيين وأجبره أن يحمله بين كتفيه وبعد أن أوصله إلى نصف الطريق نزل عنه وقتله، كان في أيامه الأخيرة يقوم بعملية كل يومين وفي إحدى الهجمات الروسية حيث هجم الروس على معسكرهم (أسامة بن زيد) كان يضرب عليهم بالرشاش -الدوشكا- فقتل بشهادة قائد المعسكر حوالي خمسين منهم حيث كانت دماء الروس تغطي بقاعا كثيرة من سفح الجبل الذي دارت فوقه رحى المعركة.
وفي اليوم الثاني من نيسان 1986 دخل الروس معسكر أسامة بن زيد ولم يكن جل الرحمن حاضرا ، وهرع عندما سمع الخبر وأخذ على عاتقه هو وأربعة آخرون من شباب المعسكر (أسد الله وجعفر ومستقيم ورابع) أن يطه روا المعسكر من الروس، وأخذ يتابعهم من موقع إلى موقع وهم ينسحبون يجرون ورائهم ذيول الخزي والهزيمة، وفي اللحظات الأخيرة أصابت جل الرحمن رصاصة تلقفته المنية أثرها فورا ، وبقي جل الرحمن بعد استشهاده على هيئة الرمي يصو ب رشاشه نحو الروس فظنه الروس حي ا يطاردهم فلم يجرؤوا أن يقتربوا منه لأخذ رشاشه، وبعد انتهاء المعركة جاء أسد الله والمجاهدون ليروا جل الرحمن بابتسامته التي كانت تسبغ على وجهه إشراقة عجيبة بقيت هذه الإشراقة والابتسامة بعد الشهادة ولكن مع الهيبة والصفاء.
كان يراه الرائي يظنه نائما ، يتثنى بين أيديهم كالنائم...
مضى جل الرحمن إلى ربه وترك في قلوبنا آثارا عميقة وبصمات واضحة لا تنسى تذكرنا بأن القتال هو مصانع الرجال.