عشنا مع هذا الشعب، بإبائه، وصفائه، وغيرته، وحيائه وزهده ونقائه وشممه ووفائه فوجدنا أنفسنا حقا وأنشدنا بلسان حالهم :
أأطرح المجد عن كتفي وأطلبه وأترك الغيث في غمدي وأنتجع (1) [انتجع: أطلب الكلا].
والمشرفية (2) [المشرفية: السيوف]. مازالت مشرفة دواء كل كريم أو هي الوجع
من أبراجنا العاجية التي كنا نحلق بها بأحلامنا العذبة وأمانينا المحلقة نزلنا ومشينا فوق أرض الواقع بإنسانية الإنسان وكبواته وهفواته وأخطائه فوجدنا البون الشاسع والبعد الواسع بين العيش بين صفحات الكتب وبين السير على أرض المحن وجمر المواجهات للمشاكل الحقيقية ، فالحمد لله لقد استيقظنا من أحلامنا الهانئة على الحقائق فاستعذبنا المرارة في مواجهتها واستسهلنا الشدائد في التقلب مع عجلاتها ولنا أن نردد مع أبي الطيب :
رماني الدهر بالارزاء حتى فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام تكسرت النصال على النصال
فهان وما أبالي بالرزايا لأني ما انتفعت بأن أبالي
والحق أننا مع هذه المحن المتلاحقة والمصائب المتساوقة ومع مواجهة المؤامرات الداخلية والعالمية لم يعد يهزنا شيء وأصبحت الحياة والمنية سيان أمام نواظرنا ( ان لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي ) كل ما يطمع به القلب أن تكون الخاتمة شهادة في سبيل الله فوق أرض النزال ومكر الأبطال
أأنت الموت تخشاه ؟ وأنت الموت جنتك !!
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا فأهون مايمر به الوحول
ثماني حجج متواصلة طوت هذه القضية من ريعان عمري، فأحالت شعري الاسود إلى ثغامة-أبيض -واشتعل الرأس شيبا ، وما أنا بنادم على شيء بل أحس بالسعادة الغامرة لجوانحي ، وأدرك اللطف الرباني والرحمة الإلهية التي تنزلت علي بأن اختارني ربي أن أكون خادما لهذا الجهاد وشرفني بأن أخوض غماره أتكلم عن أفذاذه ورجاله وأدركت أن دين الله لا تفهم أسراره ولا تفتح كنوزه حقا إلا للذين يجاهدون في سبيل رفع رايته وإعلاء كلمته وفسرت الآية الكريمة على نفسي:
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون .
فالنافرون هم الذين يفقهون كما رجح الطبري ومجاهد
لقد حلت في نفسي عقد كثيرة، منها عقدة الخوف على الرزق والأجل التي تشكل العقبة الكؤود على طريق الدعاة0 وأيقنت أن دين الله لا يمكن أن يقوم في الأرض ولا يمكن لشجرته أن تستوي على سوقها ولا أن تستقر بجذورها في الأعماق ولا أن ترسل بثمارها في الآفاق إلا بالجهاد في سبيل الله .
وأدركت أن النفس البشرية لا تنضج والروح لا تصقل إلا بالقتل والقتال:
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون .