تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مالم أذق قط في حياتي، ذقت الحلاوة في مرارتها، واستعذبت العناء في عذابها، وكنت أحس بأن ثقل الأحداث التي تلقي بكلكلها على عاتقي تصفي النفس من غواشيها وتنضج الروح على حرارة محنتها:

عذابه فيك عذب وبعده فيك قرب

أتيت الجهاد الأفغاني ولم يخط الشيب في عارضي، ولهول مارأيت فقد اشتعل الرأس شيبا، لقد عايشت الجهاد الأفغاني في هذه الفترة يوما يوما بأعصابي وقلبي ومشاعري وأحاسيسي وصرت أردد مع أبي الطيب:

لم يترك الدهر من قلبي ومن كبدي شيئا تتيمه عين ولاجيد

وقد درنا مع الدهر فرأيت من رفع ومن وضع، وكنا نتقلب بين أعطاف نعيم النصر أحيانا ، ونتجرع غصص الهزيمة أخرى، صاحبنا فيها المجاهدين من القادة إلى الجند، حتى أصبحت أرواحنا واحدة مفرقة في جسوم كثيرة، والشعب الأفغاني بطبيعته قريب إلى القلب، تهواه الأفئدة، لأنه يحمل في طيات جبلته سجايا قل ما توفرت في شعب آخر، ولم تفسد فطرته سيول المدنية الغربية التي تجرف كل مايواجهها من قيم وتغسل ماتلاقيه من مبادئ ومثل.

عرفنا في الشعب نخوته واباءه، وعزته وصفاءه، وكرمه وحياءه، وغيرته ووفاءه رغم أن البعض كان يعتب علينا أحيانا ، ويجد أخرى، ولكن محبة هذا الشعب هي السمة البارزة في شغاف القلب طيلة هذا العقد. تجاوزت فيها عن سفساف الأخلاق، لأني منشغل بالقضية بضخامتها وأهميتها وعلو شأنها في العالم المعاصر

(إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها) (1).

وكنت ابان هذه الفترة ازداد اعجابا بهذا الشعب لأنه رغم الارزاء الفوادح، والأضاحي التي تقدم لهذا الدين والذبائح على سفوح الهضاب والصفائح، فإن الإصرار العنيد لايفارق همته، والعز المجيد لايغادر لمته. ويواصل المسيرة مع القرح، وحداؤه طول الطريق المرير

ولا تهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين .

الآية (139) آل عمران

ونشيده في هذه المسيرة المضنية:

أأطرح المجد عن كتفي وأطلبه وأترك الغيث في غمدي وأنتجع (2)

والمشرفية لازالت مشرفة دواء كل كريم أو هي الوجع (3)

شعب طحنته المصائب، وصبت عليه النوائب، عاش بين فكي الكماشة، وهصرت نضارة حياته رحى الحرب، في تجاعيد جبينه تقرأ ملاحم الآلام العميقة، وفي قسمات وجهه تلمح التاريخ المعاصر كوثيقة.

لقد كانت المسيرة سفينة أشرعت فوق أبحر الدماء، ومركبا تقاذفته أمواج البلاء وطريقا انداؤه الدموع والعرق وزاده الغصص والعناء ولكن:

هي نفرة كالتي من طابة حطمت هام الطغاة ودو ى بعدها الظفر

تدافعت وحداها المجد واتزرت بالبيض تسبقها الخطية السمر(4)

وكنت طيلة المسيرة المريرة ارى بعين البصيرة وكأن يد الله تدير المعركة، وبقيت أحس من أعماقي أن قدرة الله وراء هذا الشعب المسحوق ظلما.

في خضم المعركة · الصفحة ١٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في خضم المعركةص ١٩٧