وإن كانت الأخرى فليس بمستغرب على أنظمة تقوم قراراتها على الموازنة بين المصالح والمفاسد والمنافع والأضرار، وهذه كلها إنما تنطلق من نظرة مادية قريبة وتنبثق من خلال موازين متأرجحة لا يعرف لها عيار ولا يستقر لها قرار.
وليست هذه هي المرة الأولى أن تغمض الأعين دون نظام إسلامي قائم أو تهمل الأنظمة اهمالا تاما دولة قائمة على دين ومبنية على عقيدة، فهنالك دولة قبرص الإسلامية التي تنتظر الاعتراف منذ عقد من الزمان.
وسواء اعترفت الأنظمة بحكومة المجاهدين أم لم تعترف فالمسلمون في كل مكان يبوؤنها شغاف قلوبهم ويجري حبها مع نجيع عروقهم، وكما أن المجاهدين فرضوا احترام جهادهم على كل أنظمة الأرض، فإن دولتهم ستفرض احترامها -إن شاء الله- على كراسي المعمورة بأسرها. والحق أن الاعتراف بدولة المجاهدين الإسلامية موقف قد يكلف النظام المعترف بها تبرم كثير من الطواغيت الذين يملكون القنابل الذرية والأقمار الصناعية، بل نفور كل أعداء الله الذين يقول الله عز وجل عنهم:
(ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا)
(البقرة: الآية 217)
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)
(البقرة: الآية 120)
وأعداء الله لا يعرفون إلا مصالحهم ويعبر عن سياستهم قول وزير الخارجية البريطانيه ردا على الأستاذ سعد جمعه رحمه الله رئيس وزراء الأردن عن نكبة 67 عندما قال له سعد: نحن أصحاب حق، فقال البريطاني: (السياسة ليس فيها حق ولا باطل السياسة فيها مصالح ومنافع).
والاعتراف وغيره إنما ينبثق مما تكنه القلوب من عقيدة وما تحمله الجوانح من مبادئ وما تنطوي عليه الحنايا من قيم والتصرفات والأفعال والشعائر إنما هي انعكاسات العقائد المستكنة في أعماق الضمائر.
وهذ القضية وغيرها من التصرفات التي تعب ر عما في النفوس من المبادئ والإيمانيات لا بد أن نردها إلى هذه العقيدة التي هي ملزوم لا إله إلا الله إذ أن -لا إله إلا الله- تستلزم من لفظها النفي والتبرؤ -البراء- من كل طاغوت، والاثبات والولاء لله ولكتبه ولرسله.
وعقيدة الولاء والبراء: هي أول مقتضيات لا إله إلا الله ومن مستلزماتها التي لا تنفك عنها.
ولا إله إلا الله (كلمة التوحيد) إذا استقرت في القلوب وتفاعلت مع الضمائر لا بد أن تتحول إلى استقرار في النفوس تفيض عليه السكينة والطمأنينة وشهادة على اللسان يلهج بها في كل مكان وأفعال على الجوارح وفق المنهاج الذي أنزله الواحد الأحد.
ويستحيل على عبد أن تستقر في مسارب نفسه عقيدة التوحيد ويبقى ساكنا جامدا ميتا لا حراك فيه.
لا بد أن تتحول هذه العقيدة إلى حرارة تجيش بها الصدور وتفيض أفعالا في عالم الظهور. وتنتج سلوكا وأخلاقا وأنظمه بمثل ماء السماء الطهور.
وهذه العقيدة...