(أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-وهو يتوسد بردة في ظلال الكعبة فقلت يارسول الله ألا تدعو لنا، ألا تستنصر لنا فقعد وهو محمر وجهه فقال : كان الرجل قبلكم يؤخذ فيحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنين ما يصده ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد مادون لحمه من عظم وعصب ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون") (2)
والمحنة تصقل الأرواح وتصفي النفوس وتطهر القلوب من أدرانها وأوضارها وهذا الذي بينه الحديث الصحيح :
(إنما مثل العبد المؤمن حين يصيبه الوعك أو الحمى كمثل حديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها)(3).
والمحنة كلما اشتدت كلما اقترب النصر (واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا)(4)
وإن طول معاناة الشعب الأفغاني عبر الجهاد الطويل قد صقل عناصره، وأنضج جنوده، وزاد في صلابة قادته.
وفي الصحيح (5)
(أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة).
(2) أما مشاركة القائد للجند في المسيرة ومعاناته كما يعانون فهذا يزيد في محبة القائد في قلوب الجند ولذا ترى الرسول -صلى الله عليه وسلم-ينتقل مع أصحابه من دار الأرقم إلى حصار الشعب ثلاث سنوات بالجوع، إلى الطائف ثم إلى المدينة المنورة فبدر وأحد والخندق.. إلى أن مك ن الله له وللعصبة المؤمنة في الأرض.
ولذا فإننا نجد أن المجاهدين الأفغان يفدون قائدهم الذي يعيش بينهم بالنفس والنفيس.
(3) أما الزهد في الدنيا : فهو ناشيء عن وضع الدنيا في نصابها الحقيقي : وضآلتها بجانب الآخرة
(ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم فأدخل اصبعه فيه فما خرج فيه فهو الدنيا)
حديث صحيح(6)
(لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء)(7).
وحقارة الدنيا ينشأ عنها الزهد :
(ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس)
صحيح(8)
والزهد في الدنيا ينشأ عنه الاستغناء عن الناس والعزة والاستعلاء.
ففي الصحيح(9)
(واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعز ه استغناؤه عن الناس).