تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد كانت هذه الآيات بمجرد أن تأخر رسول الله بعض الأيام، كان يقول فيها لزيد: أمسك عليك زوجك، وهو يعلم صلى الله عليه وسلم أنه سيتزوجها .. ولكن هذا الزواج كان قد تأخر قبل ذلك كثيراً، وكان لابد أن يتأخر .. ولم يكن هناك علة لذلك إلا أن تبقى زينب مع زيد حتى يقضي منها وطراً .. ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها .. ﴾. وهكذا كان الاعتبار لحالة زيد النفسية حتى بلغ زيد درجة الانتهاء الكلي من الرغبة في زينب، بل والملل من بقاءها معه حتى كان يشتكي منها.

وهكذا تم الأمر.

حتى عندما يأتى حكم يبدو فيه الاعتبار النفسي ليس بالقدر الكافي؛ فإننا نجد أن ذلك لحفظ النفس ذاتها.

مثل حكم من رأى رجلاً مع زوجته .. كما في حديث سعد.

عن المغيرة بن شعبة قال:

قال سعد بن عبادة: لو رأيت مع امرأتي رجلاً، لضربته بالسيف غير مصفح.

فبلغ ذلك رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم-.

فقال: [أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ فَو َاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنْ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ] (1).

إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضبط الموقف بحقيقة هائلة .. :" أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي ". فليست المشكلة هنا هي غيرة .. ولكن المسألة أن الإنسان الذي سيرجم لابد أن تتوافر له كل حقوقه التي تنفي عليها الاجراءات الشرعية التي تقوم بها الحدود.

وبذلك لا ترى النهي عن قتل من يراه يزني خروجاً على الاعتبار النفسي في الأحكام- كمايبدو لنا – وعدم اعتبار الغيره.

وليس أدل على جوهرية الاعتبار النفسي في الأحكام الشرعية من جعل حد الجارية الزانية نصف حد الحرة ..

وذلك باعتبار نفسي خطير وهو أن إحساس الحرة بذاتها وكيانها وكرامتها يمثل مانعاً ضخماً من الوقوع في الزنا، الأمر الذي يختلف بالنسبة للجارية التي تفقد ذلك كله.

ولقد كان للمراعاة النفسية في الأحكام الشرعية قوة جوهرية، وذلك عندما نرى عمر بن الخطاب يهدي رجلاً فرساً، فإذا بالرجل يحتاج مالاً فيقرر بيع الفرس، فيراه عمر يباع فعز عليه الفرس فأراد أن يشتريه .. فعرض الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا برسول الله يقول كلمته: " لا تشتريه ولو بدرهم ". لايقل أحد أن هذا بيع وشراء (2).

(1) [متفق عليه] أخرجه البخاري في (الحدود / بـ من رأى مع امرأته رجلاً فقتله / ح 6846)، ومسلم في (اللعان / بـ باب / ح 1499) من حديث المغيرة بن شعبة.

(2) [متفق عليه] أخرجه البخاري في (الهبة وفضلها والتحريض عليها / بـ لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته / ح 2623)، ومسلم في (الهبات / بـ كراهية شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق / ح 1620) من حديث عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: [لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ].

في النفس والدعوة · الصفحة ٧٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في النفس والدعوةص ٧٩