هذه ناحية واحدة من نواحي الرجل والمرأة وما أكثر نواحيهما.
ولكن إنصافا للحق يجب أن نذكر أن المرأة في عصور التاريخ لم تتح لها كل الفرص التي أتيحت للرجل؛ فلا منحت من الحرية ما منح، ولا مهدت لها وسائل التعلم كما مهدت له، ولا تحملت من المسئوليات ما تحمل؛ ولم تبدأ تتمتع بحريتها وتتاح لها سبل التعلم إلا من عهد قريب، على حين أن الرجل ظل قرونا طويلة حرا طليقا يتعلم ما يشاء ويزاول الأعمال ويتحمل تبعاتها.
فهل إذا ظلت المرأة في سيرها تتعلم وتكافح في الحياة وتطالب بما نقص من حقوقها تبقى هذه الفروق العقلية والخلقية كما أبناها قبل؟ أو تضمحل الفروق تبعا لسير المرأة في سبيل المساواة؟ وبعبارة أخرى: هل هذه الخصائص العقلية التي شرحناها في كل من الرجل والمرأة هي خصائص طبيعية كالخصائص الجسمية، أو هي فروق كانت نتيجة ما مر على الرجل من أطوار اجتماعية؟
ذلك ما سيكشف عنه الزمن.
| فن الحكم
يعاني الشرق الآن محنة من أشد أنواع المحن، سببها أنه بدأ يحمل عبء نفسه، وقد كان يحمله عنه المحتل.
كان المحتل يصرف أمور الأمة كما يرى، فيحرم ما يشاء ويحل ما يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء؛ فإذا استعان ببعض أفراد الأمة فبأيديهم لا بعقولهم، وقد يستعين بعقولهم أيضا ولكن على شرط أن تكون في خدمة عقله، وفي الاتجاه الذي يرسمه قلمه؛ فمن حدثته نفسه أن يفكر تفكيرا حرا طليقا فالويل له. أمسك بيده المال وهو عصب الأمة، ينفق منه كما يشاء في الوجوه التي تخدم سلطانه، ويبخل كما يشاء فيما يعارض منهاجه؛ فهو شحيح كل الشح على التعليم العالي، وعلى الجيش وما إليه؛ وهو سخي فيما يصلح الأرض ويدر الثروة. وعلى كل حال لم يقف من الأمة موقف المعلم النزيه يؤهل تلميذه ليكون رجلا يوما ما، ويمرنه على أن يستقل بنفسه شيئا فشيئا؛ إنما وقف منه موقف السيد من عبده يسخره وله الغلة، ويطعمه ما يسد رمقه ليقوى على العمل له.
ثم كان أن جاهد الشرق جهادا شاقا طويلا جعل حكم الأجنبي له شاقا عسيرا، وساعدت الأحداث الخارجية وما فيها من قلق واضطراب على أن يغير المحتل سياسته ويحمل الأمة أكبر عبئها، ويطلق لها اليد في التصرف في أكثر شئونها. فأصبحت الأيدي التي كانت تعمل بعقول غيرها غير كافية، واشتدت الحاجة إلى العقول المفكرة، وأساليب الحكم العادلة الحازمة، فإذا بالشرق أمام مدرس يلقي لأول مرة درسه، أو قاض يجلس على منصة القضاء أول عهده، حتى الذين تولوا الحكم في عهد الاحتلال والحكم بعد الاحتلال يشعرون بالفرق بين الحكمين، واختلاف الصعوبة في العهدين، فقد كانوا في عهد الاحتلال أيديا مسخرة، وهم في عهد الاستقلال عقول مدبرة. •••
أول درس يجب أن يتعلمه الشرق تضحية الحاكم؛ وأعني بذلك أن يضحي بشهواته في سبيل تحقيق العدل الدقيق، فلا تستهويه شهوة المال، ولا شهوة الجاه، ولا شهوة المنصب فتصرفه عن إحقاق الحق وإبطال الباطل. وطبيعي أن الشعب لا يرضيه من الحاكم في عهد الاستقلال ما كان يرضيه في عهد الاحتلال؛ فقد كان في عهد الاحتلال يصبر على الظلم كارها بحكم القوة، فلما رأى أن حكومته منه، وأنها تستمد قوتها من قوته، لم يرض عن ظلم، بل هو يشتط في طلبه فلا يرضى عن عدل مشوب بظلم، إنما يريد عدلا خالصا، ويتطلب منها المثل الأعلى في العدالة وإلا لا يمنحها رضاه.
ثم هو لا يرضى بتحقيق العدل السلبي وحده، مثل عدم الترقية لصلة أو قرابة، وعدم الظلم في توزيع مياه الري ونحو ذلك، إنما يطالب بتحقيق العدل الإيجابي أيضا، مثل إصلاح نظم التعليم ونظم المال ونظم الصحة، ونظم الشئون الاجتماعية؛ فإذا قصر الحاكم في ذلك مل المحكوم وسئم، وشكا من أن العهد الجديد لم يفرق عن العهد القديم، إذ لم تتحقق آماله ولم يظفر بما كان يرجو من سعادة. •••