على أن من الإنصاف أن نقول: إن تبعة صلاحية الحكم وعدمه لا تعود إلى الحاكم وحده، بل إن جزءا كبيرا يحمله الشعب المحكوم نفسه؛ فالحكم فعل وانفعال مستمران بين الحاكم والمحكوم، والنتيجة التي نراها من تقدم الأمة أو تأخرها هي نتيجتهما معا لا نتيجة الحاكم وحده.
والأثر الذي يقول: «كما تكونون يولى عليكم» ليس قانونا للقدر، بل هو قانون طبيعي. فحالة المحكوم تشكل الحاكم - لا محالة - بالشكل الذي يتفق وحالته. ولقد علمنا التاريخ أن عسف الحاكم لا يتم ولا ينجح إلا إذا سبقه استنامة المحكوم وضعف إحساسه، وصلاحية الحاكم مسبوقة دائما بتنبه المحكوم وحسن تقديره للعدالة والظلم.
بل إن أساليب الحكم ونظرية الحكومات لم تتقدم على مر الزمان تقدم الشعوب في تقدير العدل والظلم؛ فنظم الحكم التي وضعها اليونان والرومان - وعلى رأسهم أفلاطون في جمهوريته وأرسطو في كتابه السياسة - لم تتقدم كثيرا في عهدنا الحاضر، ولكن شعوب اليوم - في فهم الحكم ومدى سلطة الحاكم وإبائهم أن يتجاوز حده - أرقى بكثير في ذلك من شعوب الأمس الدابر. لقد كان الحاكم يستطيع أن يحكم - في سهولة ويسر وإلى عهد طويل - شعبه على رغم أنفه بسلطانه وجبروته، ثم هو يتحمل أعباء الحكم على كتفه وحده. أما اليوم فلا يستطيع حاكم مهما أوتي من العقل والقوة أن يحكم إلا برضا شعبه وبمعونته وبمشاركته إياه في حمل العبء؛ وإن وجدت حالات تخالف ذلك فحالات شاذة لا يسمح النظام الاجتماعي ببقائها طويلا.
بل تبين فساد رأي أفلاطون وأرسطو وأمثالهما في أن هناك طبقة خاصة يجب أن تحكم، وأنها وحدها الصالحة للحكم، وأن من عداها غير صالح؛ إلا لأن يحكم؛ وتبين أن الحاكم الحق للشعب هو الشعب نفسه، وإنما يركز آراءه في الحكم في أشخاص؛ لأن الناس اعتادوا تجسيد المعاني والرمز إليها بمحسوسات تقريبا لعقولهم وتبسيطا لأفكارهم؛ ولا ينجح حاكم ولا مصلح إلا إذا مثل رأي الناس أو على الأقل رأي طائفة صالحة منهم، فلو أتى مصلح بما لا يتهيأ له فريق من الناس لعد مجنونا، بل إن الشعب أو الطائفة منه هي التي تخلق حاكمها وتخلق مصلحها، إذ هو ليس إلا مبلورا لأفكارهم ومركزا لآرائهم. وليس الحاكم أو المصلح جذر الشجرة ولكن زهرتها، إنما الجذر والساق والأوراق هي الشعب نفسه. •••
يميل الشرق إلى أن يحكم حكما ديمقراطيا، وله الحق في ذلك؛ لأنه جرب أنواعا من الحكم الاستبدادي على أنواعه المختلفة فكانت مميتة لمشاعره، عائقة لتقدمه، وكان الحكام المستبدون ينعمون بكل صنوف الترف والنعيم على حساب بؤس الشعب وفقره.
ويميل إلى الديمقراطية؛ لأنها على ما بها من عيوب لا تزال أرقى أنواع الحكم وأبقاه؛ وحكم الاستبداد إن رضيته بعض الأمم حينا، أو فرض عليها فرضا حينا، أو ارتكن على بعض الظروف حينا، فليس هو الحكم الصالح للبقاء أبدا.
لقد انهار الاستبداد في مظاهره المختلفة، وحلت محله ديمقراطية بأشكالها المختلفة. انهار استبداد رجال الدين بعد أن سيطروا على الشعوب أزمانا طويلة لقي فيها الناس من عنتهم ما كره إليهم الحياة.
وانهار استبداد الأب بأسرته، فلم يعد ذلك الأب الذي لا إرادة في البيت بجانب إرادته، ولا الأب الذي كلمته حكم، وطاعته غنم، وحل محله أب هين لين، يأمر حينا فيطاع، ويؤمر حينا فيطيع.
وتغيرت الغايات للسلطات فأصبحت الغاية من الحكومة لا أن تظهر بمظهر الآمر الناهي، ولكن أن تحقق العدالة والحرية للناس حتى للضعفاء، وأصبحت الغاية من الأب لا أن ينعم بسلطانه، وإنما الغرض منه ومن الأسرة كلها إيجاد جو صالح لنمو الطفل وتربيته ورقيه. وليس الغرض من المعلم أن ينفذ إرادته بالعصا، وإنما الغرض منه ومن الناظر والمدرسة كلها أن يمسكوا بدل العصا مصباحا يضيء للتلاميذ حقائق الحياة وسبل الحياة.