تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من السهل أن تحكم على قطعة من الزجاج، أو حجر من الأحجار، أو شجرة من الأشجار، أو حيوان من الحيوان حكما ثابتا؛ وليس كذلك الحكم على الإنسان، والوهم يربط عادة بين الفضائل بعضها وبعض، ويربط بين الرذائل بعضها وبعض؛ ولكنه قلما يربط بين الفضائل والرذائل معا؛ فإذا رأيت شجاعا وهمت بأنه ذكي كريم، مع أنه قد يكون شجاعا غبيا بخيلا، وإذا رأيت لصا وهمت أنه دنيء خسيس، وقد يكون هو «اللص الشريف».

بل الخلق الواحد في الإنسان الواحد لا يستقر على حال واحد، فكريم يبخل وبخيل يكرم، وشجاع يجبن وجبان يشجع؛ وكثيرا ما ترى لؤما وكرما، ونذالة ونبالة، وشحا وإسرافا، وأثرة وإيثارا، قد جمعت كلها في شخص واحد وانسجمت فيه على شكل عجيب، كما يؤلف المصور الماهر صورته العجيبة من ألوان متناقضة.

ولو اخترع شريط سينمائي يبلغ من الحساسية مبلغ القدرة على تسجيل الأفكار والخواطر والبواعث والأغراض، وسجلنا عليه ما عند العظماء والكبراء ومشهوري الناس، وعرض علينا لأخذنا العجب كل العجب مما نرى، ولرأينا أعمالا نظن أنها جليلة، فإذا هي ببواعثها التافهة وأغراضها الدنيئة تنعكس قيمتها ويذهب جمالها وجلالها، وتنكشف عن قبح كريه بغيض، ورأينا «شرائط» الناس وليس يخلو أحدها من بقع سوداء قلت أو كثرت؛ وإلى هذا المعنى يشير القول المأثور «لو تكاشفتم ما تدافنتم» أي لو عرف كل منكم بواعث الآخرين ونياتهم وخواطرهم، ما دفن بعضكم بعضا عند موته؛ بغضا له واستخفافا بشأنه.

ولكن لم لا يتدافنون والكل سواء في وجود البقع السوداء؟!

إن الإنسان الواسع النظر العميق الفكر لتغمره الرحمة حتى على المسيء في إساءته والمخطئ في خطئه؛ إذ يرى أن مجال الحرية والاختيار في الإنسان مجال ضيق محدود، وأكثر أعماله ليست إلا نتيجة لوراثته وبيئته، وهذه البيئة تشمل البيت الذي نشأ فيه، والمدرسة التي تعلم فيها، والكتب التي قرأها، ونظام الحكومة التي عاش في كنفها، والدين الذي تدين به؛ وهكذا، ولو وضع زيد الصالح مكان عمرو الطالح في كل هذه الظروف لأتى - تقريبا - بمثل عمله، وإذا أردت الإصلاح فأصلح الشجرة تصلح الثمرة، وأزل ما أمام الماء من سدود يتدفق.

إن غمر هذا النظر إنسانا استشعر قلبه الرحمة والعطف والإشفاق على الجميع، ولم يحقد على عدو أو أثيم، وأنشد مع عمر الخيام قوله:

أحسن إلى الأعداء والأصدقاء

فإنما أنس القلوب الصفاء

واغفر لأصحابك زلاتهم

وسامح الأعداء تمح العداء •••

قال صاحبي: لعل للأخلاقيين ومترجمي العظماء عذرا، فهم يقصدون إلى الناحية التعليمية، فيقتصرون على ذكر النواحي الطيبة في الإنسان وأعمال البطولة في العظماء؛ حتى يقتدى بهم ويأتي من بعدهم بمثل أعمالهم، فإذا ذكرت رذائلهم بجانب فضائلهم، وزلاتهم بجانب مفاخرهم، قللت من قيمتهم وأضعفت حماسة التقليد في نفوس الناشئين؛ وكل ما يطلب من المترجم أن يقول الصدق فيما يروى عن البطل من أعمال جليلة، ولكن لا يطلب منه أن يأتي بكل ما يعلم عنه من أعمال دنيئة، قد يطلب هذا من المؤرخ، ولكن لا يطلب من الأخلاقي ومترجم العظماء.

قلت: هذا رأي له وجاهته، ولكن ألا ترى معي أنا لو أضفينا على العظماء والأبطال صفة التقديس، وأوهمنا الناشئين أن هؤلاء العظماء لم يأتوا بشر، فت ذلك في عضدهم وأيأسهم من نفوسهم؛ إذ يعتقدون أن العظماء من طينة أخرى غير طينتهم، وأنهم هم - وفيهم عيوب - لا يصلحون بعد أن يكونوا عظاما؟! أما إن أفهموا أن العظيم لم يخل من عيوب كعيوبهم أحيا ذلك أملهم وأبعد عنهم اليأس والذلة وشجعهم على الطموح أن يكونوا عظماء، رغم ما جنوا وما ارتكبوا؟

وشيء آخر وهو أن العظيم إذا قدس في حياته ونسبت إليه العصمة في كل تصرفاته، ووكلت إليه مقاليد الأمة حسبما يرى من غير اعتراض ولا نقد، تعرضت الأمة لخطر زلته الكبرى أو طغيانه الجامح، أما إن كان الرأي العام يقظا يحصي عليه مساوئه كما يحصي محاسنه وينقده ويقرظه، وقف عند حده ففكر طويلا قبل أن يقدم، وحال ذلك بينه وبين الطغيان.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٧٦