وينقد الحارات البلدية وقذارتها وضوضاءها وسوء حالها؛ فيقول:
حارات أولاد العرب
سبعا حوت من الكرب
بولا وغائطا كذا
ترب غبار، سو أدب
وضجة وأهلها
شبه عفاريت الترب
ويصور لنا في شعره لوحة طريفة من الأقارب وسوء علاقاتهم، واحترامهم للغني منهم لغناه، واحتقارهم للفقير منهم لفقره، وتطلعهم لموت الغني؛ لينتهبوا ميراثه ... إلخ.
ويصف ما جرى لمصر في حادث من حوادث نزاع المماليك، وما أصاب الشعب من خصومتهم وقتال بعضهم بعضا؛ فيقول:
قد فعلوا مناكرا شنيعة
بأهلها تفت منها الأكبد
ضرب مدافع ودور حرقت
وسادة قد قتلت وأعبد
وفي الرعايا النهب والقتل فشا
والجوع والظما وما لا يعهد
وجملة القول عن الذي جرى
لا تسألن فشرحه لا ينفد •••
نعوذ بالله من أهل ذا الزمن
فإنهم في الظلم شخص أوحد
أعدلهم من عن صواب عادل
ومن على العدل لديهم أحيد
وفي موضع آخر يقول:
قد نصبوا فوقنا المدافع
ترمي بأعلى البروج جمرا
فأحرقونا وأحصبونا
وأعطشونا بالمنع قسرا
عن نيلنا ثم قد شربنا
ملحا فزاد الكبود حرا
وعلى الجملة فشعره يصور لنا عصره في كثير من نواحي الحياة الاجتماعية، كما يصور الأدب في ذلك العصر من حيث أسلوبه وموضوعه.
ولعل المؤرخين لو عنوا بديوان هذا الشاعر وأمثاله من الشعراء، وبالتراجم من مثل من ترجمهم الجبرتي في تاريخه، وعلي باشا مبارك في خططه، كما عنوا بكتب الفتاوى الفقهية التي كان الشعب يستفتي فيها فقهاء عصره في المسائل التي تحدث، من مثل (الفتاوى المهدية)؛ لكان لهم من ذلك مادة صالحة لتأريخ الحياة الاجتماعية، ولما وقع أكثرهم في الخطأ من اقتصارهم على مصادر الأحداث السياسية والحربية.
| تقديس العظماء
هل حقا أن الإنسان إما أن يكون ملكا كريما أو شيطانا رجيما؟ أو أن فيه ملكا وشيطانا معا يتصارعان دائما؛ فقد يغلب فيه الملك فيأتي بالخير، وقد يغلب الشيطان فيكون الشر، وفي كل إنسان مسرح لكفاحهما وصراعهما وتغالبهما؟!
ومع ظهور الحق في أن الإنسان يحوي العنصرين معا ويأتي بالمتناقضين جميعا، فسرعان ما ننسى هذا وننظر إلى الإنسان على أنه ملك كريم أو شيطان رجيم، وليس عجيبا أن يقع في هذا الخطأ العامة وأشباههم، ولكن العجيب أن يقع فيه الخاصة من المؤرخين ومؤلفي التراجم والأخلاقيين وأمثالهم.
هل حقا كان عمر بن عبد العزيز - مثلا - ملكا كريما، وكان الحجاج شيطانا رجيما؟ وهل حقا كان المأمون في كل أعماله حكيما، وكان الأمين في كل تصرفاته سخيفا؟ وهل حقا ما نقرؤه في كتب التراجم، فنرى في بعضها صورا جميلة زاهية لا قبح فيها، وصورا قبيحة لا جمال فيها؟ إن العقل يأبى ذلك، ويحكم بالخطأ بداهة على هذه الأحكام الصارمة التي ترسم حدا فاصلا بين الرجل والرجل؛ بل نرى الصالحين أنفسهم - وهم أدرى بأعمالهم - كانوا يخافون العاقبة، ويطلبون من الله المغفرة على ما جنوا.
وفي هذا الخطأ نفسه وقع الأدباء والفنانون، وظنوا أن الشاعر الكبير لا يأتي بشعر سخيف، والكاتب الكبير لا يصدر عنه تخريف، وكان الروائيون إلى عهد قريب يصورون بطل الرواية عظيما كل العظمة، لا يصدر عنه إلا كل عظيم، أو مجرما أثيما، لا يصدر عنه إلا كل فظيع.
وينشأ هذا الخطأ عند الناس من غلبة الوهم وسيطرة الخيال، كما تنظر إلى رجل وجيه في مظهره فتضفي عليه - من غير شعور - صفة العقل والحكمة وحسن التصرف، والعكس؛ وقد يكون الأمر كما قال القائل:
ترى الرجل النحيف فتزدريه
وفي أثوابه أسد مزير
وعلى كل حال فما أعظم الفرق بين المظهر والمخبر! •••
ثم ما أصعب الحكم على الإنسان! وما أشبه الإنسان بالإنسان، إن المرء قد يأتي بالعمل العظيم، فإذا دققت فيه النظر رأيته قد يصدر عن باعث حقير، فيساوي في ذلك المجرم الخطير، بل قد يصدر عن الإنسان الواحد العمل العظيم للغرض الرفيع، ويسمو في الباعث عليه والغرض منه سمو الملائكة، وفي اللحظة الأخرى يأتي هو نفسه بالعمل الحقير وينحط فيه انحطاط المجرم الأثيم، فترى الوطني الكبير المخلص لأمته المضحي في وطنيته، وهو هو المقامر الحقير أو الشهواني الدنيء، وترى شاعرا كبيرا كالمتنبي يترفع عن مدح أحد إلا الملوك وأشباههم، ويحتقر شعر الشعراء بجانب شعره، ويتطلب الملك أو على الأقل الولاية، ويقول: «ما أبتغي جل أن يسمى»، ثم يبدر سيف الدولة بدرة فيقوم المتنبي يحني رأسه ويذل نفسه؛ ليلتقط منها دينارا أو دينارين، وترى موسى قاتلا، وترى فرعون يحدب على موسى الرضيع، وترى المجرم السفاك قد ينقذ أسرة من الموت أو الفقر، وترى المصلح الكبير قد يعشق زوجة جاره، فما أعجب الإنسان وما أظلم الحكم عليه بأنه خير أو شرير!