ومن ذلك جناية الإنسان على نفسه من ناحية عقله بشرب الخمور وبقلة تغذية عقله بالقراءات النافعة، ومثل تكوين الإنسان آراءه على غير أساس واستسلامه للخرافات والأوهام تغزو عقله، وبيع عقله لغيره يتصرف فيه تصرف الملاك وهكذا. •••
والدنيا حولنا مملوءة بهذه الجرائم العقلية تعبث بالعقول وتسمم الأفكار.
انظر إلى الجرائد والمجلات كيف تتنازعها الدعايات المختلفة في الأخبار الخارجية، وكل أمة تسوق الأخبار حسب هواها ومصالحها لا حسب حقائقها، واعتبر بما يجري هذه الأيام في عرض القضية الواحدة، تعرضها روسيا بشكل وإنجلترا بشكل وأمريكا بشكل، فأين الحق؟ لست أدري. وهكذا الشأن في مشاكل العالم، ليس يتحرى عارضها حقا وصدقا، ولكنه يتحرى أملا ومصلحة وفي الأمور الداخلية كل حزب يصور المسائل حسبما يهوى حزبه لا حسب الصدق ولا الحق. وتقرأ الجرائد المختلفة فتصرخ من أعماق نفسك: يا لضيعة الحق!
وانظر إلى ترجمة الحياة في حفلات التكريم والتأبين وفي كتب التراجم والتاريخ كيف يضيع الحق بين دعوة الدعاة وملق المتملقين وخصومة المتعادين وتعصب المتحزبين.
وانظر إلى الإعلانات عن السلع وعن الكتب وعن المستحضرات الطبية وعن الروايات التمثيلية كيف يلعب فيها بالعقل؛ فكل دواء يشفي من كل مرض ، وكل كتاب كنز ثمين، وكل رواية فتح جديد، وكل سلعة ليس لها نظير، وهكذا.
من أكبر ما يؤسف له أن الجرائم العقلية لم تقدر خطورتها القدر اللائق بها؛ فهذا الدجال الذي سرق مئة ألف جنيه من الفقراء والبائسين، وفوق ذلك ضلل عقولهم لم يجد القضاة نصا في القانون يعاقبونه بمقتضاه، ولكنهم يجدون نصوصا كثيرة لفقير سرق رغيفا من غني، إن القوانين عنيت مع الأسف - بالماديات دون المعاني مع أن جريمة المعاني أشد خطرا وأنفث سما.
والأمم الجاهلة لا تحس خطر الجرائم العقلية، بل لا تحسها إطلاقا، بل هي تمنح المجرمين العقليين كثيرا من الاحترام، إن شئت فانظر ماذا يلقي هذا الدجال من توقير واحترام، أو انظر كم من آلاف الناس يهوون تقبيلا لأيدي سارقي النذور، وكيف يبجل بعض الزعماء السياسيين الذين يضللون العقول أو يحجرون على التفكير.
ومن أهم الفروق بين أمة منحطة وأمة راقية كثرة الجرائم العقلية في الأولى وقلتها في الثانية. ومن أهم علامة الأمة الراقية سيرها على مقتضى العقل في تربية أبنائها وفي فلاحتها وصناعتها وكل مرافق الحياة فيها.
وأهم ما يجب أن يعنى به المصلحون خلق «الضمير العقلي» في الأمة وإشاعته وتقوية سلطانه، وأعني بالضمير العقلي تنبه الشعور باستهجان كل ما يرتكب ضد العقل واحتقار فاعله كما يحتقر السارق والقاتل، والشعور بالاستحسان ممن يأتي بالفضائل العقلية، كالدعوة إلى محاربة التخريف والتدجيل ونحوهما.
إن أكثرنا إلى اليوم حتى خاصتنا، يقفون من الجرائم العقلية موقف عدم الاكتراث، وهذا هو في نفسه جريمة عقلية.
لست أدري لماذا نتحمس لحماية عرضنا ولا نتحمس لحماية عقلنا، وكلاهما يجب أن يكون عزيزا علينا!
| قادة الرأي
قائد الرأي في الأمة كربان السفينة، لا يمكن أن تسير في أمن إلا به، ولا يمكن أن تصل إلى غايتها إلا به، وإذا كان ربان السفينة لا يصلح لقيادتها إلا إذا ثقف ثقافة واسعة في البحار والأنواء، وكيفية اجتياز الصعاب إذا عرضت، وتجنب المخاطر إذا أسفرت، والدخول إلى المواني والخروج منها وما إلى ذلك، فكذلك القائد لا بد أن يكون على علم تام بشئون الأمة جميعا في الداخل والخارج، وما يقدمها وما يؤخرها، وما يؤثر فيها ظاهرا وباطنا، وكيف يصل بها إلى بر السلامة إذا هبت العواصف، وكيف يسير بها إلى الأمام إذا اعتدلت الريح، وهكذا.
وكما أن قائد السفينة لا يسير على هوى الركاب، ولا يخضع لإرادتهم في سرعة السير وبطئه، ولا في الاتجاه الذي يتجهه، ولا في كيفية دخول الميناء والخروج منه، وإنما يخضع لعلم البحار وقوانينها ونظمها، وما يراه هو في مصلحة الركاب، لا ما يرون هم، فكذلك قائد الرأي في الأمة لا يخضع لرغباتهم وشهواتهم، ولا يتجه دائما إلى ما يرضيهم، وإنما يخضع لقوانين الأمة ونظمها، وما يرى هو بعد الاستشارة وتبادل الرأي إنه المصلحة العامة، وأنه يحقق تقدم الأمة ونجاحها ورقيها، ولو خالف رغبتها.