تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن من أسس الإسلام التقويم بالعمل لا بالنسب. ووضعت لذلك القاعدة الجميلة

فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

من غير نظر إلى فاعل الخير وفاعل الشر. فهل يصح أن نهمل كل ذلك من أجل الحب، والحبيب نفسه لا يرضى أن تهدر مبادئه؟

لقد ذهب زمان الغفلة وأصبح الناس يقدرون الرجل بعمله، فيولون رياسة حكوماتهم ابن الصانع وابن العامل، وينحون عن العمل ابن العظيم وابن الشريف إذا كان لا يصلح للمنصب، والناس يتقدمون للانتخاب بعملهم وببرامجهم لا بنسبهم، ومنتخبوهم ينتخبونهم على هذا الأساس لا على أي أساس آخر.

أفيصح للمسلمين في مثل هذا الزمان أن يسلموا زمامهم وينفقوا أموالهم ويطأطئوا رءوسهم ويسندوا أعمالهم إلى من ليس يستحق لمجرد نسبه؟

لست أقصد بهذا النقد مذهبا معينا ولا طائفة خاصة، فهذا الشر واقع فيه كل الطوائف، والغفلة عامة، فهل يفيقون في زمن لا تكفي فيه الإفاقة بل لا بد من العمل المجدي والسعي المضني للعيش الصالح في هذا العالم!

| الجرائم العقلية

بالأمس قرأت في إحدى الصحف أن دجالا قدم للمحاكمة بتهمة التغرير بالعقول، وهجم على بيته فرؤي فيه أنواع من ملابس الشعوذة أشكالا وألوانا، وأحصيت ثروته فبلغت مئة ألف جنيه، ثم حكمت المحكمة ببراءته لأن القانون لا ينطبق على أعماله.

هذه جريمة عقلية.

ومنذ أيام حدثني عبد العزيز باشا فهمي أن رجلا من أسرة مشهورة في الشرقية سماها لي مات جدهم من زمن وكان لصا فتاكا، ودفن في مقبرة معروفة، فعمد أحد خدمهم إلى هذه المقبرة وشيدها وجعلها على شكل ضريح، ولون حيطانها بألوان أضرحة الأولياء، وأشاع في الناس أن ساكن الضريح ولي من أولياء الله له كرامات واضحة، فكم شفى من مرض وفرج من كربة، وجعل له «حضرة» تقام كل أسبوع و«مولدا» يقام كل عام. وطلب من «الأوقاف» أن تعينه شيخا للضريح ففعلت، فكان هذا مصدر ربح كبير استطاع به أن يشتري خمسين فدانا من أطيان أسرة صاحب الضريح.

هذه أيضا جريمة عقلية.

وفي الأضرحة المشهورة كالسيد البدوي والسيدة زينب وسيدنا الحسين صندوق نذور يضع فيه الزوار نذورهم، ويبلغ معدل صندوق السيدة زينب نحو ثمان مئة جنيه كل شهر.

هذه أيضا جريمة عقلية.

من أين هذا المال وإلى أين؟

من فقير لا يجد قوته وقوت أسرته، ومن سيدة مسكينة اقتصدته من غذاء أبنائها وبناتها وملابسهم، ومن فلاح فقير باع بقرته وفاء بنذره وظل بعدها بلا بقرة.

هذا «من أين» وأما «إلى أين» فإلى دجال يستهوي عقول المغفلين بشعوذته وبأثوابه البيض والحمر وببخوره الجاوي. ثم هو يعيش بعد عيشه الترف والنعيم والبذخ - وإلى جيوب من لا يستحقون من موظفي المساجد الذين يتقاضون المرتبات على ما يعملون. •••

أعني بالجرائم العقلية كل عمل يرتكب ضد العقل، وكل سلوك ضد الصدق وضد الحق.

وهذه الجرائم تغمر الحياة العامة، ويتخذ الناس منها ضروبا وأفانين، ولنسق بعض الأمثلة عليها: (1)

فمن ذلك تغرير العقول وتضليلها، كوضع البرامج الضارة بعقول الناشئين في المدارس، وكبرامج الإذاعة وروايات السينما والتمثيل التي تحيي الشهوة وتميت العقل، وكأعمال الزعماء السياسيين الذين يغررون بالعقول، أو يحجرون على حرية القول وحرية التفكير، ومثل الدجالين بالطب الروحاني والاتصال بالجن والعفاريت يستحضرونهم ويسخرونهم. (2)

ومن ذلك أيضا ما نرى كل حين من أشخاص يقررون أن الشيء حق، ولكن عملهم عمل من يعتقد أنه باطل، أو يقررون أن الشيء باطل، ولكن يعملون عمل من يعتقد أنه حق، كالذي يعلي من شأن الصدق ويكذب، أو من شأن النزاهة ويرتشي، أو يشيد بالعدل ويسعى في نيل درجة أو وظيفة من طريق غير شريف. (3)

ومن ذلك وضع العقبات في سبيل الرقي العقلي، كالحجر على إبداء الرأي والحجر على الصحف وتقصير الحكومات في سبيل تثقيف الشعب إما بقلة عدد المدارس أو فرض نفقات كثيرة على التعليم، وكالحجر على البنات ألا يتعلمن ما يتعلم الذكور وهكذا. (4)

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٠٣