وضع المشروع على الورق، أو رسم الخريطة الكاملة له نتيجة لدرسه، وعرضه على الخبراء لنقده إن كان لديهم نقد، والإصغاء إلى ملاحظاتهم، وتقديرها في عدل وسماحة، وتعديل المشروع حسبما يصح من وجوه نقدهم. (4)
إعداد الرأي العام لقبول المشروع والعطف عليه والتحمس لإتمامه، ففي هذا فائدة كبرى للمشروع، فإنه إذا لم يحظ بعطف الرأي العام أحيط بالصعوبات والعقبات، وفت ذلك في عضد القائمين به، وتعثر في كل خطوة يخطوها. وفي عطف الرأي العام شيء من الضمان في الاستمرار فيه، والدفع إلى إتمامه. (5)
التشريع له وإقراره من السلطة المختصة حتى يبدأ في التنفيذ.
هذه هي الخطوات الخمس لتعقيل أي مشروع، فإن أردنا أن نضيف شيئا إلى هذه الخطوات الخمس قلنا: يجب أن يكون موقف الأمة الاقتصادي والاجتماعي في حالة ملائمة لقبول هذا المشروع، ولك أن تدخل ذلك في الخطوة الثانية، وهي خطوة الفحص والدرس.
وعلى كل حال فإن رأيت فشلا في مشروع من المشروعات فاعلم أن سببه أنه لم يستوف خطوة أو أكثر من هذه الخطوات، ولو أنه استكملها لنجح نجاحا مؤكدا.
إن أكبر أسباب فشلنا في كثير من المشروعات يرجع إلى عدم تحديد ما نريد، فإذا حددنا ما أردنا فنقص في البحث والدرس، وكثيرا ما نعتمد على الدرس الذي قامت به دولة أو هيئة أوربية من غير أن نفحص المشروع نفسه في بلادنا وما يحيط به من ملابسات عندنا. مثال ذلك ما حدثني به اقتصادي مصري خبير قال: إن جماعة في إنجلترا أسست مشروعا لجمع الملابس القديمة وإعادتها بالآلات الحديثة إلى «فتل» تنسج من جديد، فتكون أثوابا جديدة رخيصة، قد تختلف عن الفتلة الجديدة بأنها أقل متانة وأقل نعومة، ولكنها على كل حال صالحة للاستعمال. ونجح المشروع الإنجليزي، فأراد جماعة من المصريين أن يقلدوهم في مشروعهم بناء على درس الإنجليز لا على درسهم هم، ففشل المشروع لقلة الدرس، إذ فاتهم أن أكثر الملابس الإنجليزية صوفية، وأكثر ملابسنا قطنية، وأن الإنجليز يستغنون عن ملابسهم قبل أن تهلهل، وأن أكثر ملابسنا لا نستغني عنها إلا بعد أن تكون مهلهة. ولذلك فشل المشروع.
ثم إذا نحن حددنا ما أردنا جيدا، ودرسنا جيدا، فأمامنا ثلاث مصائب كبرى تقضي على أكثر المشروعات:النظام المالي عندنا وفساده، وهذا يحتاج وحده إلى محاضرة أو محاضرات ممن هم أعلم مني بذلك، وعدم استقرار الحكومات مع ربط المشروعات برغبات الحكومة، فإذا تغيرت الحكومة تغيرت الرغبة، وأوضح مثل لذلك مهزلة مشروع خزان أسوان، ومشروع تعميم التعليم، والمصيبة الثالثة ضعف خلق الثبات والاستقرار في الأمة، ويتجلى هذا حتى في المشروعات الأهلية؛ لهذا كله قد نرى المشروع جميلا جدا، وإخراجه إلى الوجود قبيحا جدا، آلة فخمة ضخمة كاملة، ولكن ينقصها المحرك.
ومع هذا فدورنا دور طبيعي في الأمم، ولا بد حين الانتقال من عصر الهوى إلى عصر التعقيل، من عصر مخضرم، ثم ينتهي الأمر إلى التعقيل لا محالة، إن شاء الله.
| غفلة مزمنة
قرأت في بعض الصحف «أن زعيم الإسماعيلية الهنود، وعددهم يزيد على عشرة ملايين، سيهدي إليه أتباعه في عيده الماسي وزنه ماسا، ويقدر الماس الذي يعادل وزنه ب 615000 قيراط، وقد بدأ فعلا جمعها، وقد أهدي إليه في عيده الذهبي وزنه ذهبا فبلغ 25000 جنيه ذهبا».
فقلت: أيظل المسلمون في غفلتهم هذه أبدا؟ إن الإسلام في جوهره لا يقدس أحدا، ويحارب عبادة كل حجر وكل وثن وكل صنم وكل حيوان وكل إنسان، وشعاره الدائم «لا إله إلا الله» ومعناها البسيط أنه هو وحده الذي يعبد والذي يقدس والذي يرجى والذي يخاف.
فما بال المسلمين فقدوا هذا المعنى فقدسوا الأشخاص يعبدونهم، ويلجئون إليهم ويقدمون لهم الهدايا كما تقدم القرابين؟!
ألا يدرون فيما تصرف هذه الأموال الطائلة التي يجمعونها من البائس الفقير الذي لا يجد ما يسد قوته وما يستر جسمه؟ إنها تصرف في خيل السباق وفي ترف الزعيم وفي غير ذلك من وجوه السرف؟ أليست نظرة بسيطة تري أن هذا المال الذي يجمع من محتاجه ليصرف في هذه الوجوه غفلة عريقة عريضة.